كيف تأخذون قطعة من جسدي؟!

وعد حسون نصر:

كيف تأخذون قطعة من جسدي بعد أن أزهرت وباتت تكبر أمامي؟؟

نعم، طفلي الذي زرعته في جوفي، كنتُ له التربة الصالحة مع كل جذر يتشبّث بداخلي، وكلما بدأت تزهر ازداد تشقّق جسدي، وتضاعف الألم الجميل بانتظار النبات الذي سقيته من روحي وأعطيته كل ما عندي كي أراه بأجمل صورة.

كيف تقطعون غصناً مني وتمنعونني من رعايته تحت حجج ومسوّغات كثيرة؟! فمن حقي أن أرعى طفلي وأحتضنه حتى إن حصل انفصال بيني وبين والده، فما لا تعرفونه عن الحضانة أنها تعني: حفظَ من لا يستقلّ بأموره، وتربيتَه وفق ما يُصلح حاله.. وهي واجبةٌ شرعاً، لأنّ المحضون يهلك إن لم يقم به أحدٌ، وبالتالي هي حقٌّ للحاضن، وخاصة إذا كان هذا الحاضن هو الأم التي حملت بين أحشائها طفلاً عاش معها النفس وشاركها كل خلجاتها، فإذا كان الزواج قائماً فالطبيعي أن تكون حضانة الطفل للوالدين، وإذا افترقا كانت حقاً للأمّ بالاتفاق، فإذا امتنعت الأم أو تزوجت أو ماتت انتقل الحق إلى من بعدها، من مستحقي الحضانة، وخاصة أمّ الأمّ بعد الأمّ، ومع هذا لا بدّ من مراعاة عدّة شروط  لحق الحضانة، ولعلّ أهمها أن يكون الحاضن أهلاً لذلك، وطبعاً هذا الشرط ورد في الشرع والقانون معاً، وتالياً الحضانة هي حفظ الولد ممّا قد يضرّه، والقيام بتربيته ورعاية مصالحه، لذلك على الحاضن أن يقوم قدر المستطاع بكل الإجراءات اللازمة لحفظ المحضون وسلامته في جسمه ونفسه، والقيام برعاية مصالحه.

والمفارقة أن المجتمعات الشرقية تعطي الولاية للأب على أنه بتصنيفها الأكثر رشداً في رعاية أبنائه، ووفق شرعها أن يكون هو الولي عليهم، ما لم يجرّد من ولايته بحكم قضائي، وللأم أن تقوم بالمصالح المستعجلة لأولادها في حالة حصول مانع للأب، وتنتقل الولاية للأم الراشدة عند عدم وجود الأب بسبب وفاة أو غياب أو فقدان للأهلية، أو بغير ذلك، طبعاً هذا كله جاء في الشرع وصادق القانون عليه، ويغيب عن بنوده بأن حق الأم بهذا الطفل لا يقل عن حق الأب فهي لها الحق بالولاية عليه، وحقها أن تتولى رعايته وإعطاؤه اسمها وجنسيتها، وإذا كان القانون الذي مشى عليه الدهر من قرون أعطى للرجل الحق بأخذ أطفاله متى يشاء وإبعادهم عن أمهم والسفر بهم أنى يرغب دون محاسبة، فعلى القائمين بوضع بنود القانون أن ينظروا جيداً بهذه البنود وإعادة تصحيحها، وخاصةً بعد أن مشى الزمان بعجلاته نحو التقدم، فمن الطبيعي أن تخشى الأم على مصالح أبنائها مثلها مثل الرجل، بل إن دافع الأمومة وهرمون الأنوثة يجعلها أكثر حرصاً عليهم وأكثر خوفاً. لا ننكر أن على الحاضن التمتّع بشروط لعلّ أهمها الرشد والاستقامة والأمانة، لكن لماذا فرض على الأم في أحد الشروط أن تتخلّى عن الحضانة في حال الزواج؟! ولماذا يبقى الأطفال مع الأب إذا تزوج ولا يحق للأم أن تبقي أطفالها معها إذا ما تزوجت؟ وخاصةً إذا كان الرجل أو الزوج الثاني موافقاً على إبقاء أبناء زوجته معها. لماذا يحاسب القانون الأم ويعتبرها قد خطفت أولادها إذا رغبت بالسفر وأخذهم معها؟

إذا أعيد النظر بحقوقنا نحن النساء، لا تقتلوا فينا دافعاً خُلقَ معنا منذ ولجنا الحياة، ظهر بألعابنا وحملنا للدمى على أنها أطفالنا، لا تقتلوا متعتنا في إرضاع أطفالنا، فنحن مع كل نقطة حليب منّا نشعر أننا نسقي ثمارنا ونستعد لطرحها للعالم عندما تنضج، لتكون خير من يخبر عن تعبنا في رعايتهم. نحن النساء مواطنات لا نقلّ شأناً عن أي مواطن، نحن نصف المجتمع الذي لا يكتمل من دون وجودنا، بل نحن في أحيانٍ كثيرة نكون مجتمعاً كاملاً نعمل ونربي ونعلّم ونأخذ دور الأب في غيابه، بينما لا يستطع الأب نفسه أن يأخذ دورنا في حال غيابنا، نستطيع أن نؤدي أعمالنا كنساء ونقوم بأعمال الرجل ونبقى نفيض بالعطاء المفعم بالأنوثة، الكثيرات منّا لا يتزوجن بعد وفاة الزوج ويُصدّرن للمجتمع أجمل وأنضج ثمار، بالوقت الذي غالباً لا يستطيع الرجل البقاء عاماً واحداً بلا زواج بعد وفاة الأم، أو الانفصال، بحجّة عدم قدرته على التوفيق بين العمل والمنزل. لا تنظروا إلينا نظرة دونية، فمن تستطيع أن تكون أباً وأمّاً معاً لرعاية طفل أفضل رعاية لا يمكن أن تكون بحاجة إلى ولاية، فهي مجتمع كامل ينهض بذاته ويرفع أبناءه على راحته ليُبنى بهم، نعم هي أنثى لكنها أرض، ومن جوفها يخرج وطن.

العدد 950 - 3/03/2021