وجع وأنين لا يسمعه المُشرّع

إيمان أحمد ونوس:

كثيرة هي القصص والحكايات التي حدثت وتُروى عن نساء يقضُّ مضجع إنسانيتهن وأمومتهن الوجعُ والقهر، لأنهن حُرِمنَ من احتضان أبنائهن لأسباب عدّة ذات صلة بقوانين الأحوال الشخصية النافذة في كل الدول العربية والإسلامية التي تعتمد الفقه الإسلامي أحد مرتكزات التشريع فيها لمختلف مجالات الحياة والعلاقات، وأهمّها على الإطلاق العلاقة الزوجية والحياة الأسرية التي ينظمها ويتحكّم بها قانون الأحوال الشخصية المُستمد كلياً من الشرع والتشريع الإسلامي، قوانين سًنّت في عهد قدري باشا زمن الخلافة العثمانية، ولم تعد بالتأكيد تتوافق مع ما وصل إليه البشر من تطور طال مختلف أبعاد حياتهم الأسرية والمجتمعية والقانونية وسواها.

بالتأكيد، لا شيء يقهر الأم أكثر من افتقادها لاحتضان أبنائها، الذي يفرضه في أحيان كثيرة الطلاق، أو الخلافات الزوجية التي يكون فيها هؤلاء الأبناء ورقة ضغط رابحة بيد الأب لتحقيق رغباته مهما كانت أو فرضها على الأم التي لا تريد فراقهم، أو يرحل بهم بعيداً عنها ودون علمها دون أدنى شعور بإنسانيتها ولا بأمومتها، مدعوماً ومحتمياً بالقوانين التي لا تُجيز لها الفعل نفسه، بل تقف لها بالمرصاد وتتهمها بخطف الأبناء دون علم والدهم، وأحياناً أخرى تفرضه وفاة الأب، فيكون لأهله الحق الشرعي في حرمان الأم من أبنائها تحت ذرائع قد يكون بعضها مُختلقاً فقط لأجل قهرها، لاسيما إن لم يكونوا راغبين بها قبل زواجها أو لأنها كتابية (من ديانة أخرى) ولا تحق لها حضانة ابنها بعد سنّ الرابعة كي لا ينشأ على دين غير دين أبيه.

لا شكّ أن تلك القوانين ارتكزت في صياغتها على قيم دينية ومفاهيم قبلية ذكورية بحتة كانت ولا شكّ تناسب العهد الذي ظهر فيه الإسلام من جهة، والعصر الذي سُنّت فيه تلك القوانين من جهة أخرى، ولهذا تراها اليوم متعثّرة بالنقلات النوعية التي طالت حياة المرأة منذ مطلع القرن الماضي حتى يومنا هذا، سواء على صعيد العلم والعمل أو على صُعُد أخرى، وهذا ما يستدعي بالتأكيد سنّ قوانين جديدة تتوافق مع سمة العصر التي اتسم بها جميع أفراد المجتمع رجالاً ونساءً من حيث نمط العلاقات والحياة التي يعيشونها، مثلما يفرض على الحكومات خاصة تلك التي وافقت على التصديق على اتفاقية السيداو التي أقرّتها الأمم المتحدة من أجل إنهاء كل مظاهر العنف والتمييز ضدّ المرأة في المجتمعات الإنسانية، على اعتبارها تُشكّل نصف تلك المجتمعات، وتُعنى بتربية الأجيال وبالتالي المجتمعات كلها، إضافة إلى ضرورة مساهمتها ومشاركتها الفعّالة في بناء المجتمع وتطويره بعيداً عن أيُّ من مظاهر التمييز والتعنيف التي تعرقل مسيرتها.

لقد صادقت غالبية الدول العربية على تلك الاتفاقية، لكنها تحفّظت على المواد ذات الصلة بالشرع الإسلامي وأهمها قانون الأحوال الشخصية، وكانت سورية إحدى هذه الدول المتحفظة للأسف. ولكن، وبسبب ضغط المجتمع المدني والحركات النسوية فيها من جهة، ومن جهة أخرى بحكم ما أفرزته حرب السنوات العشر من ويلات وتبعات وآثار كارثية طالت المرأة والطفل- الحلقات الأضعف في المجتمع- وفرضت على الأم الهجرة أو النزوح بأولادها هرباً من جحيم الحرب والموت والدمار إلى أماكن ومناطق آمنة وبغياب الأب، فقد رُفع التحفّظ عن الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية السيداو، التي تتعلّق بالمساواة بين الأبوين في حرية الحركة والتنقل بالطفل من خلال تعديل قانون الأحوال الشخصية القديم بالقانون الجديد رقم 4 لعام 2019 وعبر المادة 150 فيه التي تنص على:

1- ليس لأحد الأبوين أن يسافر بولده خارج الجمهورية العربية السورية أثناء الزوجية إلّا بإذن الآخر ما لم تقتضِ المصلحة الفضلى للولد خلاف ذلك.. ويعود تقديرها للقاضي بقرار مُعلّل.

2- ليس لأحد الأبوين أن يسافر بالولد خارج الجمهورية العربية السورية خلال فترة حضانته إلّا بإذن الآخر ما لم تقتضِ المصلحة الفضلى للولد خلاف ذلك.. ويعود تقديرها للقاضي بقرار مُعلّل.

لا شكّ أن التعديلات الجديدة فيها بعض الإيجابية التي لا يمكننا إنكارها، لكن بقي العديد من المواد محكوماً إمّا بما لا يتناقض والتشريع الإسلامي كما في المرسوم التشريعي رقم 230 لعام 2017 الذي بموجبه رُفع التحفّظ عن المادة الثانية من اتفاقية السيداو المتعلقة بالحقوق والواجبات المتساوية للمرأة والرجل في كل القوانين والتشريعات المعمول بها، غير أن هذا جاء مًذيّلاً ومشروطاً بعدم تعارضها وأحكام الشريعة الإسلامية، رغم أن الدستور السوري قد ساوى بين الجنسين في الحقوق والواجبات. وكذلك رضخت هذه التعديلات للسلطة التقديرية للقاضي ما من شأنه أن يُفرغ التعديل من مضمونه في حال ارتأى القاضي العودة إلى الوراء كما في المادة 150 أعلاه.

بعد ما تقدّم، لا بدّ من إخراج قانون الطفل الذي أعدّته سابقاً الهيئة السورية لشؤون الأسرة منذ بداية تأسيسها في عام 2003 إلى حيّز التطبيق، من أجل العمل على مصلحته الفُضلى التي نصّت عليها اتفاقية حقوق الطفل. كما لا بدّ من قانون أسرة عصري يحمي حقوق الجميع سواء خلال الزواج أو بعده وبضمن ذلك: الرجل أيضاً، تلك الحقوق التي باتت مُهدّدة بحكم الوضع الاقتصادي والمعيشي المرير… فهل يُصغي المشرّعون لأنين الأطفال والأمهات؟

العدد 950 - 3/03/2021