يدٌ للمعول.. ويدٌ للقمة القهر

وعد حسون نصر:

الليل امتداد للنهار لرحلة شقاء من أجل أبسط الحقوق كالطعام والشراب والدفء، حال الموظف والعمال في بلادي كحال أي مواطن أنهكه التعب من أجل البقاء وسدِّ الرمق بلقمة العيش الممزوجة بالكدِّ والقهر والشقاء، لا المعاش يكفي إلى نهاية الشهر، ولا المصروف يتناسب مع الدخل! وتذبل زهرة عمر العمال الشباب وراء ماكينة تمشي عجلاتها على سني عمرهم، تدوس أحلامهم، تحطّم طموحاتهم وتسحق مهاراتهم. وإن حاول أحدهم العزوف عن العمل من أجل إثبات حقّه بترقية وزيادة يجد نفسه مرغماً على التوقيع على إنذار عقوبة يهدّده بقطع لقمة عيشه وجعله متسكعاً يبحث عن فرصة عمل جديدة في أزقّة بلد غطّاه العتم ليخفى كل ما فيه من خيرات.

حتى النقابات التي من المفترض أن تضمن حقوقهم، قسمتهم لمنازل وطبقات، فلم نرَ عامل نظافة يجرؤ على الوقوف بوجه القهر ويرفض أن يعمل لسوء معاملته، حتى أنه هو نفسه يرى أن هذا الأمر ليس من حقّه، فهو المتلقي فقط الذي يقول: حاضر، أمرك سيدي! والسبب تهميش هؤلاء العمال واعتبارهم فئة خامسة أدنى ممّا سبقها، مع العلم أننا لولا هؤلاء لكانت قاذوراتنا أطول من قاماتنا وغرقنا في القمامة أكثر فأكثر! استغلال العامل في هذه الظروف الصعبة من قلّة فرص العمل والغلاء وارتفاع أجور العقارات والنقل وغيرها جعلت ربّ العمل يستغل الحاجة المُلحّة للعمال إلى العمل مقابل المال، ممّا يجعلهم يخفضون أجرة العامل ويزيدون عليه ساعات العمل تحت ذريعة قلّة فرص العمل، فإن لم يعجبك بإمكانك ترك العمل. هنا يُرغم العامل على السكوت فهو بحاجة إلى العمل والمال معاً. كذلك مُدبّرات المنازل والعاملات فيها، هن أكثر العمال استغلالاً والجهد المبذول من تعب جسدي ونفسي وإرهاق وذلّ لا يتناسب مع الأجور وخاصة السيدات اللواتي لم يحصلن على تحصيل علمي وليس لديهن أي خبرة في أعمال أخرى سوى العمل في الخدمة المنزلية. هنا، تفرض عليهن الحاجة السكوت من أجل الاستمرار بعملهن مقابل الدخل وأحياناً الاقامة والطعام والشراب! حتى عمال اليوميات والبناء والأعمال الحرة جارت الظروف عليهم على الرغم من أن عملهم بحريتهم، لكن الواقع فرض عليهم السعي وراء أيّة فرصة تأتيهم رغم أنه وفي معظم الأوقات لا يتناسب جهدهم العضلي وساعات عملهم مع الأجر المُقدّم لهم، لكن لقمة عيش أطفالهم فرضت عليهم القبول والحمد والشكر كي لا ينام صغارهم وأمعاؤهم خاوية.

لا ننسى الأعمال اليدوية وصناعات التحف والصوف وخياطة الملابس المأجورة، خاصةً تلك التي تمتهنها ربّات المنازل في بيوتهن ومدى استغلال صاحب هذه الاعمال  لأولئك السيدات وحاجتهن للعمل مقابل المال، فقد تستهلك القطعة يوماً أو يومين من التعب والسهر، مقابل أجر لا يفي نصف الجهد المبذول، في حين أنها بالمقابل تباع في الأسواق بأسعار باهظة لأنها قطعة مشغولة يدوياً، كل هذا القهر الممزوج بالشقاء لا ترحمه الظروف ولا تنصفه النقابات، وفي آخر المطاف يُطالَبُ العامل بالبذل والعطاء لتستمر عجلة المعمل وتزهو البلد بأفضل المنتجات، لكن في المقابل لا يزهو العمال بضحكة الفرح بعد مكافأة تثني على جهودهم أو بإنشاء عيادات تعالج أمراضهم وأمراض أطفالهم ولو بربع القيمة كي لا يذهب عطاؤهم وتعبهم هباءً منثوراً.

حين يأخذ العامل حقه ويتناسب عمله مع الأجر، ويوضع في الحسبان تقدمه في السن وحاجته إلى الدواء والتدفئة واللباس والطعام ويضمن كل هؤلاء براتب تقاعدي منصف، هنا نقول إن النقابات أنصفت عمّالها، وعندما تؤسّس مراكز تحمي استغلال مُدبّرات المنزل وعاملات الأعمال اليدوية وعمال اليوميات من استغلال أرباب العمل هنا نقول إن النقابة أنصفت صغار كسبتها وأعطتهم حق جهدهم. لكن العامل في بلدي بات آلة تُستَغل من قبل صاحب العمل بحكم الظروف، لذلك حافظوا على هؤلاء العمال حتى لا تخونهم الظروف وينقلبوا عليكم بحكم العوز والقهر.

العدد 1107 - 22/5/2024