كاسك يا وطن!

غزل حسين المصطفى:

حقوق إنسان؟!
ماذا تعني هذه الحروف؟! أنا سوريٌّ، أقرأ الفقر وأحفظ الذلّ، أُتقن لغة الصمت.
حقوق إنسان؟!
برأيي، نحن نحتاج أن نُجرّب كيف نعيش، نحن نموت لنعيش، لكننا موتى بكفنٍ من حياة.
حقوق إنسان؟!
لو قلتِ لي أن أتحدّث عن كيفية زراعة البندورة، حقوق الحيوان، معاهدات الصلح التاريخية، لكنتُ لكِ عوناً، لكن تسألينني عمّا لا أعرف، أو عمّا لم أعرف بعد.
حقوق إنسان في سورية؟!
مختصر إجابتي: (أنا سوري.. آه يا نيّالي!)، والمعنى في قلب الشاعر، لا أدري كيف تسألين، أو كيف خطرت في بالك فُكاهة (حقوق إنسان)!
تسألين عن نتائج الوقائع وعمّا إن كنا سنصل إلى الهاوية؟!
إذاً نحن أين؟ عزيزتي نحن في هاوية الهاوية، لا مراحل أخرى تنتظرنا سوى أن نموت جميعاً.
المشهد العالق في ذاكرتي حين تعرّض (عقرب) للحرارة لسعَ نفسه ومات حتى يتخلّص من عذابه.
لكننا نحن اليوم لا نمتلك جرأة العقرب ولا وسيلته حتى نُنهي حياتنا.
هذه الكلمات كانت حصيلة ما جنيت، حين توجّهت بالسؤال إلى معارفي: (أين نحن من حقوق الإنسان في سورية تبعاً للظروف الرّاهنة التي، إن استمرت، فنحن نتجه نحو الهاوية؟).
_كنت أسأل وصوت بكاء الأطفال جوعاً وبرداً وقهراً يقطع شراييني.
_كنت أسأل ومشهد الطوابير في بلادي ترسم المشهد اليومي للحياة، سعياً وراء سبيل للعيش.
_كنت أسأل ومشهدٌ قريب العهد لي جعلني أقف في منتصف الطريق وأمام حشود الناس والدمع يخرج من عيني رغماً عني.. كان القهر والذل والقُبح يُخيّم على الحالة.
كيف لا، وأنا أقف على موقف الباصات والسرافيس، منذ السادسة صباحاً، من أجل أن أفوز بمقعد في الحافلة حتى أصل إلى جامعتي، قبل أن تبدأ المحاضرات في الساعة الثامنة.
كيف لا أبكي حين أفكر أنني عشرينية وأكبر طموحاتي يجب أن يكون حقاً مباحاً لي.
كنت أسأل وأدرك الإجابة مُسبقاً، لكن رغبتي في الهروب من أفكاري ومن الحقيقة طغت على الموقف.
ماذا لو كان كلُّ هذا مجرد حلم؟ لا، لا إنه كابوس.
ماذا لو كنا ننعم بالكهرباء طوال اليوم، نحصل على الخبز بسهولة وبلا معاملة، نوقد مدافئ المازوت بلا خطّة اقتصاديّة؟!
ماذا لو كنا نستطيع شراء اللحمة والخضار كما نحتاج لا كما يسمح الراتب؟!
ماذا لو كنتُ عشرينية وهمّي في أن أحصل على آخر إصدارات الموسيقا والكتب والأغاني، لا أن أفكّر كيف أهرب من بلدي؟!
ماذا لو، وماذا لو… والفرضيات تطول، ولن تفلح فرضياتي إلّا في تقليب المواجع وترك المجال للجروح الصامتة في أن تئنّ.
إلى من كتب الحياة بعيون زرقاء اليمامة، إلى الماغوط..
نحن وفي عام 2020 مازلنا، مثلما قلتَ، منذ أربعين سنة، على لسان شخصية في إحدى مسرحياتك: (مو ناقصنا إلا شويّة كرامة!).
بالمختصر: حقوق الإنسان السوري قامروا بها حين شربوا (كاسك يا وطن)!

العدد 943 - 13/1/2021