الخرافة والأسطورة زادنا في زمن التيه

إيمان أحمد ونوس: 

حين وُجِدَ الإنسان على سطح الأرض وسط عالم مليء بالأسرار والغرائب التي عجز تفكيره حينها عن تحليلها تفسيرها، كانت الأسطورة هي أنشودة الخلق الأولى التي وصفت الكون وكيف تأسّس، مثلما كانت تغريدة الطبيعة التي فسّرت من خلال منطقها الظواهر الطبيعية كالفلك والطقس. وقد ارتبطت بتلك الأساطير خرافاتٌ نظمتها الشعوب لجهلها بما تراه وتعيشه، ولذلك يمكننا القول إن الخرافة لا تنفصل عن الأسطورة، بل ترتبط بقصص أخرى مماثلة للحضارة التي ظهرت فيها.

وقد عرّفت معاجم اللغة (الخرافة) بأنها الحديث المُستَملَحِ من الكذب. ولا يفوتنا أن كلمة خرافة مشتقّة من حروف (خ ر ف) وهو ما يعني فساد العقل عند التقدّم بالعمر. ولذا نجد غالبية الناس حين تستمع لرواية ما أو لأحد ما يروي قصة تميل إلى الخيال، نجدهم يصفونها بالقصة الخرافية، أي غير المنطقية. وهنا لا بدّ من تعريف الخرافة على أنها الفكرة أو الاعتقاد القائم على التخيّلات غير المنطقية أو غير العقلانية التي لا وجود ولا تفسير ولا تبرير لها سوى أنها لا تتعدى كونها إرثاً تاريخياً تتناقله الأجيال في مختلف البلدان والحضارات على مرّ التاريخ. ولا شكّ أن حياتنا حافلة بالكثير من الخرافات التي تحكم، للأسف، حياة غالبية الناس بسبب الجهل والتخلّف وقلة الوعي.

وممّا لاشكَّ فيه أن الخرافة على صلة كبيرة بالأسطورة، بل يمكن القول إن الأسطورة هي أصل الخرافة رغم وجود بعض الاختلافات بينهما، فالأساطير هي مجموعة من الأكاذيب كانت لقرون طويلة حقائق راسخة وثابتة لا تقبل التغيير باعتبارها قصة حقيقية وخيالية في الوقت ذاته، لأنها تحتوي على عنصر موجود فيها كتعاقب الفصول والليل والنهار مثلاً. وقد ألهمت هذه الأساطير الشعراء والأدباء والفنانين أفكاراً خلاّقة، فوهبوا البشرية روائع مدهشة ما زالت حاضرة بكل احترامها وقدسيتها لدى بعض الشعوب، ويُضيف كل جيل فيها ما يراه متناسقاً مع معتقداته ورغباته الحاضرة.

لقد ساعدت الأعراف والتقاليد المجتمعية السائدة في سيطرة الخرافة على حياة الناس، باعتبارها جملة من الأفعال أو الألفاظ أو الأعداد التي يُعتقد أنها تجلب السَّعد والحظّ أو تأتي بالنَّحس والشؤم، وذلك لأسباب تتعلّق بالواقع الذي يعيشون فيه، أو الأزمات التي يتعرّضون لها دون معرفة حقيقية بالأسباب والدوافع التي جعلتهم على هذه الحال من البؤس والشقاء.

لقد وجد علماء النفس أن المؤمنين بالخرافة يفترضون أن هنالك اتصالاً بين أحداث غير مترابطة تحدث بشكل متزامن، وبالنسبة لهؤلاء، فإن الانخراط في سلوكيات خرافية يوفّر حسّاً من السيطرة ويقلّل من الخوف والهلع، ما يؤكّد أن مستويات الخرافة تزداد في أوقات التوتّر والقلق. وهذا هو الحال بشكل خاص في أوقات الأزمات الاقتصادية وعدم اليقين الاجتماعي لاسيما الحروب والصراعات.

إذاً، لا غرابة أن نجد السوريين غارقين في مستنقع الوهم والخرافات التي ملأت أوقاتهم وحياتهم منذ عقود خلت، بسبب الأوضاع المعيشية القاسية التي رسّختها البطالة المُتناسلة من سياسات (اقتصاد السوق الاجتماعي)، مثلما نخر الفساد أُسس القوانين والتشريعات وصولاً إلى الدستور الذي ساوى بين الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس والدين والعرق، وطالب باحترام المواطن وكرامته من خلال تأمين مستلزمات وجوده وتطوره المادية والمعنوية، وهذا بعض ما أوصلنا إلى حرب عبثية مجنونة، التهمت نيرانها مقوّمات وجودنا بكل ما فيه، حتى بتنا مجرّد ذرات تتقاذفها رياح الطمع والجشع وتقاسم الغنائم بين كل من شارك فيها. وهنا لم يبقَ أمام كثيرين سوى الوهم والخرافة زاداً يمنحهم بعض أمان وطمأنينة في زمن عزّ فيه السلام والأمان والعيش الكريم. 

العدد 933 - 28/10/2020