أسرار تنبؤات المنجمين.. كيف يخدعونك؟ ومن أين تأتيهم أخبار الغيب؟!

أنس أبو فخر:

في مقدمته الشهيرة حدّد رائد علم الاجتماع في العالم (ابن خلدون) علامات انهيار الدول، فقد قال: (عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون، والمنافقون والمدّعون، والكتبة والقوّالون، والمغنون النشاز والشعراء النظّامون، والمتصعلكون وضاربو المندل، وقارعو الطبول والمتفقهون، وقارئوا الكفّ والطالع والنازل، والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون، تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط).

عادةً، وذلك من خصائص الطبيعة البشرية، ما يلتجئ المرء عند الإفلاس في الوصول إلى مبتغاه، إلى أفكار وطقوس لا يتقبّلها العقل، لكنّها تُرضي طبيعته الأنانية وتحافظ على أمله في ذلك، وعليه فإنّنا نجده يهرول خلف عادات وطقوس غريبة وعجيبة ومثيرة للشفقة مثل التوجّه للدجّالين والمشعوذين، بغية مساعدته بقوّة خارقة ليصل إلى ما يريد من إيقاع الأذى بمن حوله، ولذلك فلم أتعجّب من الصور التي تُنشر على موقع (فيسبوك) عند ترميم المقابر، إذ يجد العاملون عليها قطعاً وأقمشة وبقايا أعضاء لحيوانات وطلاسم وغيرها من أدوات السحر والشعوذة، لأن غياب الثقافة والفكر بالتزامن مع الجهل والطمع والغباء تعطي نتائج كهذه عند الشعوب البسيطة التي نعيش بينها. ولكن ما يدفع المرء للضحك تارة والبكاء على حالهم تارة أُخرى هو تصديق الناس لهؤلاء الدجّالين والسير بكلامهم وكأنّهم موحى لهم من الله في الغيب.

فعلى سبيل المثال وليس الحصر، تتهافت النّساء للذهاب إلى بعض رجال الدين، ونسوة أيضاً يعملن في خزعبلات لتزويج بناتهنّ عن طريق كتابات وطلاسم، بدلاً من أن يعملن على تعليمهنْ وتحصين كيانهنْ ليكنّْ سيداتٍ ذوات شخصية قويّة في المجتمع، كما يذهبن لمعالجة العقم بدلاً من التوجّه للطب، وهناك الكثير من الحجج والأسباب بعضها أكثر غباء وجنوناً. وعلى الرغم من تحريم الدين لهذه الأعمال، لكنّ هذه التصرفات عندما تبدر من الناس البسطاء تبقى أسهل وأبسط بكثير من أن تبدر من أنظمة دول!! نعم، لا تُفاجأ سيدي القارئ، أنظمة دول وإعلام دول وسياسات دول إذا أردت أيضاً.

في العقد الاخير من القرن الحالي أي من مطلع عام 2010 إلى يومنا الحالي، باتت سهرة رأس السنة عند العائلة تبدأ مع نهاية تنبؤات أشخاص يدّعون قوّة الحدس والبصيرة والرؤيا، فما إن يظهروا على شاشة التلفاز حتى يهرع أفراد العائلة لمشاهدتهم بصمت وتركيز فائق، هذا الأمر ليس محصوراً في بساطة الناس وجهلهم، لكن وللأسف تجد الشباب في مقدمة المتابعين، ومنهم جامعيون وأساتذة ومحامون ومن مختلف الشرائح المثّقفة في المجتمع، فالسبب الأبرز لهذه المتابعة لا ينحصر فقط بالجهل، إنما يعود لطبيعة الإنسان الفضولية في معرفة ما سيحدث سواء له أو لبلده أو للعالم، وهذه الطبيعة تدفعه بشدّة لحضور هذه البرامج، غير أن واقعه الصعب وفشل حكوماته في تأمين أدنى حدود كرامته المعيشية، وحالة الإرهاق الجسدي والنفسي تجعله يعمل بالمثل الشعبي الشهير: (الغريق يتعلّق بقشّة)، وعندما يرى هؤلاء الكذّابين والدجّالين والنّصابين على شاشاته المفضّلة وعبر إعلامه الرسمي، يصبح الأمر مشروعاً أكثر وواقعيّاً لدرجة كبيرة. لكن السؤال الأهم: كيف لهم أن يتصدروا شاشات التلفزة والإعلام الرسمي في دول ينصّ دستورها على منع مثل هذه الظواهر؟ بل يحاسبون فيها المشعوذين والدجالين بالسجن والغرامة المالية؟!

الإجابة عن هذا السؤال تكمن في مقدمة ابن خلدون التي ذكرتها في بداية المقال، والتي أشار إليها علم الإجتماع كعلامات انهيار الدول، لكنّ هذا التعبير برأيي الشخصي لا يحمل معنى الانهيار أي الزوال للدولة، بل أعتقد أن الانهيار الذي قصده ابن خلدون هو الانهيار البنيوي والمعياري في الدولة، انهيار البنية الفكرية والثقافية ومعايير الأخلاق والعلم وسبل التفكير وإدراك الفرد فيها، وهو الانهيار الأخطر من زوال الدولة، فهو متشابهٌ تماماً مع تصرّف الإنسان البسيط عندما يعجز عن إيجاد حل منطقي وعقلانيّ لأزماته، فيتوجه للدجّالين والسحرة ليكتبوا له التمائم والطلاسم راجياً أن يصل إلى مبتغاه منها، كذلك عندما تنهار الدول تتجه لهؤلاء السحرة والكذبة للسيطرة على غضب الشعب وامتصاصه، والسبب المباشر لهذا هو انعدام الثقة بين الشعب وحكوماته – تصوّر يا رعاك الله – فانعدام هذه الثقة يدفع الشعب المسكين لتصديق الدجالين أكثر من تصديق حكوماته بالإصلاحات وتحسين الأوضاع المعيشية!!

كما أنّ هذه الدول تقوم بتقديم الدجالين عبر شاشاتها ووسائل إعلامها لسبب ذكيّ ودقيق جداً، وهو تخفيف حالة الصدمة والغضب القادمة نتيجة قراراتها الفاشلة وفسادها المُمنهج، فيصبح الآتي ماضياً وموقفاً تمّ التعايش معه ومع مشاعره الغاضبة والمحزنة، وبالتالي لا تحدث ردّة الفعل القويّة عندما يصل للحقيقة، وتتمُّ السيطرة على أدمغة وشعور الشعب من خلال بثّ هذه التنبؤات السّامة التي تُدخله بحالة الاكتئاب وتُخفّف من آثار غضبه وردّة فعله التي قد تكون مناهضة لهذه الحكومات ومطالبة بتغييرها، لأن المواطن عاش الشعور قبل حدوثه وأصبح هذا الشعور نسياً منسيّاً.

ولكن قد تتساءل: من أين تأتي هذه التنبؤات التي يَصْدِقُ بعضها؟

إذا أمعنت النظر سيدي القارئ بهؤلاء المشعوذين، ستجد عدم تطابق التنبؤات بينهم، فأحدهم يتنبأ بخراب دولة والآخر يتنبأ بازدهارها، هذا الاختلاف ليس ناتجاً عن اختلاف الجنّي الأزرق الذي يقول لهذا والجنّي الأحمر الذي يقول لذاك، بل ناتج عن اختلاف المُشغّلين لهم وأجهزة الاستخبارات والأنظمة التابعين لها، فعلى سبيل المثال المنجّم (مايك فغالي) الذي عمل بشكل ممنهج على تمييع القضية الفلسطينية وامتصاص غضب الشعوب العربية من خلال كلمته المشهورة (رح قص شعري بالقدس السنة الجاي) هذه العبارة التي تكرّرت طيلة العشر سنوات الماضية ولم تتحقّق، بل تم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبالجولان السوري المحتل وتنفّذ صفقة القرن التي بموجبها يجري تصفية القضية الفلسطينية، هذا الشعور الذي يُثبط عزيمة المستمع عندما يشعر أن القدس ستتحرّر، فتجعله يعيش حلم اليقظة وكأنها تحصيل حاصل ويترك الأمر للأيام والأيام تمضي ولا مستفيد إلاّ دولة الكيان!!

وعلى مدار السنوات الأخيرة الماضية، وبعد اشتداد حالة الانهيار الاقتصادي في سورية بات (فغالي) نجم الشاشات السورية يظهر بلباس غريب كالمجانين ويبدأ بتخدير الشعب الجائع والتائه بإبره المسمومة، فإمّا يقول إن دمشق ستصبح باريس الشرق أو الليرة ستتحسّن وإلى ما هنالك من هموم للمواطن السوري، والغريب أنه لو كان يعيش في سورية لم يكن ليعلم بكل هذه الأسرار، لكنّه وبالمختصر المفيد محسوب على الحكومات السورية ومهمّته تخدير هذا الشعب الذي فقد الثقة بحكومته، وإبقاء المواطن السوري في دوّامة الاكتئاب بين الحاضر والمستقبل حتى لا يفكّر في أي حلّ يخرجه من أزمته.

في نهاية المطاف عزيزي القارئ يؤسفني أن أحطّم لك هذه الأصنام الفكرية التي تعبدها وتراها فسحة أمل للغد، وأقول لك إنهم ليسوا سوى أبواق مخابرات وحكومات فاشلة في كسب ثقة شعوبها، ومن خلال هؤلاء السفلة تقوم بامتصاص غضبك وردّة فعلك تجاه خطط الفساد والأجندة المتفق عليها لإبقائك رازحاً في قاع الجهل والفقر والغباء والاكتئاب، ليستمروا هم في سرقتك ونهبك وبناء ثرواتهم غير المشروعة، فلن يجدوا تربة خصبة لهذه الوسائل أكثر منك.

العدد 931 - 14/10/2020