عادات وتقاليد أطّرت حياتنا

وعد حسون نصر:

نأتي إلى الدنيا مُحاطين بعادات لا نعلم عنها شيئاً، استمدّها الأهل من الأجداد الذين أخذوها أيضاً عن أسلافهم، فأصبحت حياتنا كتلة من العقد، وغالباً لا يمكننا الاستمرار في التمسّك بتلك العادات والمفاهيم التي لم تعد تناسب عصرنا، وفي الوقت ذاته لا يمكن أن ننصهر بعادات جديدة، لذلك وجب علينا الخروج من عاداتنا البالية التي تشدُّ وثاق تقدمنا إلى عادات جديدة على أن لا تخالف القيم الأساسية. على الرغم من أن كثيراً من القيم الأساسية يُفترض أن تستمر جيلاً بعد آخر، لكنها غادرت المجتمع السوري خلال حربه مُخلّفة وراءها أزمة أخلاق، فقد خلّفت هذه الحرب كثيراً من العادات التي غيّرت تغييراً كبيراً في حياة السوريين، وطالت قيماً عديدة كانت أساسية في المجتمع السوري، فمثلاً إغاثة الملهوف لم نعد نسمع عنها، كذلك بيوتنا التي كانت دائماً مُشرّعة للضيف باتت للأسف مغلقة، وكنا إذا رأينا أحداً يسقط على الأرض نهبُّ جميعاً لإسعافه، اليوم بتنا نراه ونخشى أن يحمل مرضاً ما أو يكون لديه شيء غامض، فنسير من جنبه للأسف دون أن نلتفت، حتى في الشجار لم نعد نرى الناس الذين يبعدون المتشاجرين ويحجزون بينهم ويسعون للصلح. تغيّرت عادات كثيرة أساسية يُفترض أن لا تتغيّر، ذلك أنها قيم قبل أن تكون عادات، ودخلت علينا عادات دخيلة لا تشبه حياتنا ولا مجتمعنا، وهنا بدأت الأسرة السورية تتفكك وتدخل عصر انحلالها، فقد تخلّى أفراد الأسرة عن جمعتهم على المائدة الواحدة وسهراتهم المبنية على الحب والألفة، وأحاديث الطفولة حتى القهقهات والضحكات والمرح وأغنيات الطفولة والحب كلها باتت من ماضي العائلة، وحلّت عادات غريبة بدلاً عنها، والأغرب دخول معتقدات وخرافات يتمسك بها البعض ويسعى إليها، والكثير منهم بات يرى أنها البوصلة التي تدلّه على الطريق الصحيح، كالسحر والتبصير والأبراج والتوقعات التي دخلت مجتمعنا ونفوسنا وبتنا نسعى وراءها إمّا بدافع التسلية أو من باب الإيمان المطلق، كما انتشرت صفحات عبر وسائل التواصل (للأبراج والتاروت والتبصير بالفنجان والنرد وحتى بالحصى وغيرها أو بالكف) اعتنق هذه الأفكار كثير من الناس، حتى الإعلام بتنا نجد فيه قنوات تُبَثُّ من خلالها برامج طرق لفك السحر أو فتح المندل وجلب العريس، هذه الغرائب جميعها قديمة حديثة، لكنها ازدادت مع ازدياد المحن، لأن الإنسان البسيط أو الضعيف في زمن المحن يلجأ للأمل حتى وإن كان في حجر النرد، لذلك انتشرت البدع، مع ازدياد الخرافات. عادات كثيرة غريبة لاحت في سماء مجتمعنا السوري وإن كانت بالأساس موجودة، لكن ضمن إطار محدود، وبعد غياب الرقابة ومع اندلاع الحرب وبعدها جائحة الوباء انتشرت هذه العادات وانزلق المجتمع رويداً رويداً نحو القاع، لذلك وجب علينا أن نعيد ترميم ما بقي من مجتمعنا السوري كي لا نصبح جميعنا تحت رحمة صُنّاع البدع، ألم يكفنا ما حل بنا من تجّار الحرب والأزمات؟ فهل نقبل أن نقع بعدها تحت رحمة صُنّاع الحظ؟ لذلك إن كانت الحرب فعلت ما فعلت من تشرّد للعائلات السورية، وكان هذا التشرد وهذه الحرب سبباً رئيسياً لكل التفكك الاجتماعي وضيق أحوال السوريين وما نتج عنه من اقتراب المجتمع الأنثوي نحو الذكورية، كل هذا كان السبب الأهم في  ظهور قيم وعادات اجتماعية جديدة على حساب غياب عادات وقيم المجتمع الأصلية، لذلك وجب علينا جميعاً المحافظة على العائلة السورية التي أصبحت عرضة للانتهاكات سواء في الأخلاق والشعوذة والاستغلال وحتى اللجوء للخرافات والسحر، كذلك اللجوء للمتاجرين بالدين والتمسّك والتزمّت بمبادئ خاطئة تزيد المجتمع تعقيداً، فقد أصبحنا نحن المتصالحين مع أنفسنا نقف في الوسط، بين مجتمع متزمّت بدينه، ومجتمع منحلّ يفقد حتى أقلّ مقومات أخلاقه، لهذا الأمر يجب العمل على إصلاح ما نستطيع إليه سبيلاً ممّن حولنا من أصحابنا، وأخواتنا وأولادنا والأخذ بيدهم لنجنّبهم الوقوع في مشاكل تودي بجيل كامل إذا صار منعدماً أخلاقياً ومتفككاً اجتماعياً.

العدد 933 - 28/10/2020