التّقشّف واجب فردي أم حكومي أيضاً؟

إيمان أحمد ونوس:

في كل الدول التي شهدت حروباً طويلة كالتي عاشتها وما زالت تعيشها سورية، تتّبع الحكومات سياسات وإجراءات غير اعتيادية تتناسب مع واقع الحرب وتبعاتها، من تدمير للبنى التحتية وخسارة العديد من الموارد التي كانت ترفد خزينة الدولة بما يُمكّنها من تلبية مختلف المهام المنوطة بها تجاه الوطن والمواطن. كما تفرض هذه الحكومات على مواطنيها حزمة من الإجراءات التقشّفية للحدّ أو التقليل من استهلاك بعض المواد التموينية وسواها ممّا يصعب على الحكومة تأمينها أو رصد الميزانيات اللازمة لها، بسبب صعوبة تأمين تلك المواد أو ارتفاع تكاليفها في بعض الأحيان. وتتجلّى الإجراءات الخاصّة بالحكومة والمسؤولين فيها على النحو التالي:

  • إيقاف كل أشكال الاحتفالات والمهرجانات والمؤتمرات مهما كانت مناسباتها.
  • إيقاف تنفيذ بعض المشاريع غير الضرورية مرحلياً، وعدم طرح مشاريع تتطلّب ميزانيات تفوق قدرة الدولة والظرف الراهن.
  • وقف جميع المشاركات الدولية غير الضرورية التي تتطلّب السفر بنفقاته المعروفة باستثناء تلك المتعلّقة بالحرب.
  • إلغاء بعض الامتيازات المادية أو تقليصها، إضافة إلى تقليص النفقات غير الضرورية وضغطها كالمحروقات الخاصة بسيارات المسؤولين، وهذا يفترض تقليص عدد الآليات الممنوحة للمسؤولين الكبار والاكتفاء بآلية واحدة تُلبي الهدف منها. وعند الضرورة القصوى لا مانع من استخدام وسائل نقل جماعية مؤقّتة لأولئك المسؤولين ريثما تتعافى خزينة الدولة.
  • التخفيف من الاستهلاك اليومي أو الحدّ من عادات الضيافة وما يتبعها خاصّة في المناسبات، وكذلك إلغاء الهدايا المترافقة مع تولي مناصب أو ما شابه، على اعتبار أن هذه النفقات جميعها يتمُّ صرفها من ميزانية الجهة التي يتبعها هذا المسؤول أو ذاك.

هذا فيما يخصُّ الحكومة والمسؤولين فيها. أمّا ما يخصُّ المواطن فيُطلب منه في زمن الحرب تغيير العادات الاستهلاكية ونمط الحياة السابقة على النحو التالي:

  • ترشيد الاستهلاك في كل ما له صلة بمؤسسات الحكومة، كاستهلاك الماء والكهرباء والمحروقات بكل استخداماتها، بغية التوفير على المواطن والدولة.
  • تقليل الهدر في المواد الغذائية والخبز والاكتفاء بالحاجة اليومية الضرورية، وترشيد استهلاكنا من المواد غالية الثمن كاللحوم، والاستعاضة عنها بما يوازيها من الحبوب والنباتات والخضراوات.
  • عدم اللجوء إلى تخزين هذه المواد بكميات تفوق الحاجة الطبيعية كي لا نقع في فخ زيادة الطلب التي تستدعي رفع الأسعار من قبل تجّار لا يهمهم سوء الوضع المعيشي أو انخفاض القدرة الشرائية للناس.
  • تغيير بعض العادات اليومية التي تتطلّب نفقات مالية ويمكننا الاستغناء عنها كاستخدام وسائط النقل لمسافات قصيرة تخفيفاً للإنفاق وأيضاً تخفيفاً للازدحام على تلك الوسائط.
  • التقليل ما أمكن من المناسبات الاجتماعية كالأعراس وأعياد الميلاد وأشباهها، ومحاولة الاستغناء قدر الإمكان عن تبادل الهدايا لاسيما المُكلفة في تلك المناسبات تماشياً مع الضغوط المالية التي تفرضها الحرب.
  • ضرورة مقاطعة بعض السلع التي تشهد ارتفاعاً جنونياً بأسعارها كالمتة أو البيض مثلاً، للضغط على التجّار والمحتكرين بغية عدم رفع الأسعار إلى مستويات غير مقبولة أو غير محمولة.
  • ضرورة التقيّد بضوابط النظافة في الأماكن العامة واحترامها كي نُخفّف العبء على الجهات المعنية بنظافة تلك الأماكن وصيانتها.

بالتأكيد كل ما ذُكر أعلاه، مما يتعلّق بالحكومة أو المواطن، يُفترض أن يحصل حين تعيش البلاد حالة حرب طويلة ومستمرة منذ عشر سنوات. ولكن على أرض الواقع، ما الذي تحقّق ممّا ذكرناه لاسيما فيما يخصّ الحكومات التي تعاقبت على البلاد خلال تلك السنوات؟

في الحقيقة، لم تأتِ كل الحكومات خلال سنوات الحرب وحتى اللحظة بشيء ممّا يجب عليها من تقشّف وضغط نفقات كالذي ذكرناه أعلاه، في الوقت الذي تطلب من المواطنين في كل لحظة، أو تفرض عليهم تقشّفاً جديداً، في محاولة منها للخروج من الأزمة الاقتصادية التي فرضتها الحرب والعقوبات الدولية المُرافقة لها، بقيت كل الامتيازات والاحتفالات والمهرجانات والمؤتمرات لاسيما تلك التي تعتبرها الحكومات موقفاً سياسياً يُشير إلى قوّة الدولة وهيبتها (والأمثلة كثيرة) باستثناء الجهات والقضايا التي لا تعنيها أو التي تعمل بشكل غير مباشر لتهميشها أو التّخلي عنها لجهات أخرى، ومن ذلك ضعف اهتمامها بشركات القطّاع العام بدل العمل على تحسين واقعه أو تطويره، وكذلك المدارس التي خرج بعضها من الخدمة بسبب التخريب والدمار الذي فرضته الحرب، ففي الوقت الذي يجري فيه على قدمٍ وساق ترميم العديد من الأماكن الدينية، تعيش مدارسنا حالة يُرثى لها من الإهمال وانعدام الخدمات فيها، إضافة إلى ارتفاع نسب التسرّب المدرسي أو تفشّي الأميّة بين الأطفال. كما أنه في الوقت الذي تُطالب الحكومات مواطنيها بضغط النفقات وتخفيف الهدر وترشيد الاستهلاك، وتفرض عليهم التقنين المُجحف والقاسي، في ظلّ شحّ الموارد المُخصّصة لهم كالماء والمازوت والغاز وغيرها، نجد أن مكاتب المسؤولين تنعم بالرفاهية دفئاً في الشتاء وبرودة في الصيف، بينما كل العاملين في الدولة عانوا وعاشوا ولا يزالون يعانون كثيراً من البرد والحرّ، بسبب منع استخدام وسائل التدفئة والتبريد، بحكم إيقاف مُخصّصات التجمعات الحكومية أو تخفيضها من وقود التدفئة أو آليات النقل الجماعي لاسيما للمناطق البعيدة عن العاصمة التي تتركّز فيها غالبية الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية، بينما لم يخسر أيٌّ من المسؤولين سياراتهم أو الوقود والصيانة المُخصّصة لها. وكذلك تخفيض العديد من التعويضات والبدلات والمكافآت والحوافز فلم يبقَ للموظف أو العامل سوى راتبه الشهري الذي لم يعد يكفي لأيام معدودات على أصابع اليد الواحدة خاصّة مع اضطراره لدفع نفقات التنقّل ما بين السكن والعمل، في الوقت الذي لم يخسر مسؤولٌ واحد أيّاً من امتيازاته المعهودة!!

إضافة إلى رفع الدعم عن الكثير من الاحتياجات الضرورية كوقود التدفئة والغاز المنزلي، والعديد من السلع التموينية الأساسية التي رغم ما تعتبره الحكومة مدعوماً فإنها جميعها خضعت للارتفاعات المتوالية للأسعار، فضلاً عن تخلّي جميع الحكومات المُتعاقبة عن المواطن أمام جشع وجبروت تجّار الحروب الذين لم يكترثوا ولو للحظة بما تُعانيه البلاد ومواطنيها من مآسٍ كانوا المُساهم الأكبر فيها، فقد شهدت الأسعار ارتفاعات باتت اليوم خيالية لا يقبلها عقل ولا منطق إنساني أو اقتصادي أو حتى سياسي، إضافة إلى انخفاض قيمة الليرة إلى مستويات لم تعهدها في تاريخها الطويل بسبب المُضاربة والتلاعب الذي مارسه تُجّار العملة على مدى سنوات الحرب ولا يزالون. وإذا ما أردنا الاستفاضة في ذكر كل القضايا والمسائل المُشابهة، فسنحتاج إلى وقت طويل للانتهاء من سردها، للأسف.   

والسؤال: هل التقشّف مفروض علينا فقط كمواطنين؟ أليس من واجب الحكومات هي الأخرى التقشّف في أنشطتها واحتياجات مسؤوليها من سيارات ووقود وبدل سفر وتعويض اختصاص وإقامة المهرجانات بمناسبة انعقاد المؤتمرات أو افتتاحها واختتامها، وغيرها كثير؟ وهل يتطلّب وضعنا الراهن الذي يزداد سوءاً يوماً بعد آخر ومنذ أكثر من عشر سنوات تقشّفاً فردياً فقط أم مؤسساتياً وحكومياً أيضاً!؟؟

العدد 931 - 14/10/2020