التطور والهوية ـ أسئلة محورية

مع بداية العصر الاستعماري في القرن الـ16 تقريباً، حشرت الحضارة الغربية الغازية كل الحضارات والثقافات المغزوة في زاوية ضيقة، هي ضرورة التغيير والتطور، لكن ذلك أثار أيضاً في المقابل نزعة الدفاع عن الذات، أو بعبارة أدق الحفاظ على الهوية، بالنسبة لنا نحن في منطقة غرب آسيا، بدأت مواجهتنا مع الغرب الغازي حضارياً ثم عسكرياً، مع مطلع القرن التاسع عشر، وبرزت ثلاثة اتجاهات رئيسة لاستراتيجية المواجهة تتلخص في ثلاثة أسئلة محورية توزع عليها مفكرو النهضة في المنطقة وهي:

1ـ كيف يمكن ألّا نتغير ونبقى كما نحن! ويمثل هذا التوجه الأصولية السلفية بكل تنوعاتها.

2ـ كيف يمكن أن نتغير ونبقى كما نحن! وكان هذا توجه المفكرين المعتدلين والحركات الإصلاحية التوفيقية، وتمثلت سياسياً بالأحزاب القومية المختلفة.

3ـ كيف يمكن أن نتغير ولا نبقى كما نحن! ومثّل هذا التوجه كل الحركات الراديكالية والثورية من اليسار وأجزاء من اليمين الليبرالي.

إن صياغة هذه الإشكالية (التطور والتغيير ـ الحفاظ على الهوية) التي مازالت تستحوذ على مساحة واسعة من المنتج الثقافي والفكري والسياسي في المنطقة ـ بهذا الشكل الثنائي! صياغة مثالية خارجة عن السياق التاريخي للصيرورة، فلا يمكن أن يتم التغيير والتطور ونبقى كما نحن! كما أن تطورنا لا يعني أننا سنصبح غربيين. إن مفهوم التطور بحد ذاته يعني التغير التراكمي التدريجي بين نقاط التطور النوعية، ولا يمكن أبداً أن يُحدِث قطيعة تامة مع الماضي، وعلى المفكرين المهتمين بدراسة عوامل النهوض الخروج من هذه الإشكالية الضيقة وتحريرها بإعادتها إلى السياق التاريخي للتطور الاجتماعي، الذي سيحافظ على ما يحتاجه من إيجابيات الماضي، وسيلغي ويتجاوز السلبيات والمعيقات فيه.

خالد الحريري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1ـ من النهضة إلى الردة، جورج طرابيشي.

2ـ المصريون، قاسم أمين.

3ـ تحرير المرأة، قاسم أمين.

4ـ المرأة الجديدة، قاسم أمين.

العدد 932 - 21/10/2020