الانتصار للشعب لا عليه!

أنس أبو فخر:

منذ سنوات مضت وفي حادثة مأساوية في دولة مصر العربية، تُعرف بحادثة قطار المحطة التي أودت بحياة العشرات من المواطنين غير الجرحى، قدّمت حكومة مصر آنذاك استقالتها كنوعٍ من الإحساس بالتقصير تجاه المسؤوليات المُلقاة على عاتقها، ونوعٍ من الاعتذار لعموم الشعب المصري عن الاستهتار، وبهذا فقد تحمّلت مسؤولية ماحصل، وهذا الحال ينطبق على العديد من الدول العربية أو غيرها عندما ينجرح ويتأذى الشعب الذي هو أمانة في أعناقها بعد الوطن، إلّا أن هذا الأمر غير موجود في سورية، حتى إنّه لن يوجد على المنظور القريب وربما البعيد.

فبعد تفاقم الغلاء والتدهور الاقتصادي والمعيشي، توسّم الشعب السوري خيراً بعد إعلان تشكيل حكومة جديدة في البلاد، على أمل أن تكون إنقاذاً لهم ولحالهم التعيس والمُتهالك ولكنّها جاءت عكس ذلك، فقد اجتاحت الحرائق جزءاً كبيراً من المناطق الحراجية المُشجّرة والمُثمرة ووصلت إلى مشارف البيوت في الساحل السوري وريف حماه، وتزامن ذلك مع تأخّر المروحيات عن إخماد الحرائق، ومجابهتها بإمكانيات متواضعة، غير أن تفاقم أزمة المحروقات بشكل كبير أسقط ورقة التوت الأخيرة عن عورة الحكومة التي ينطبق عليها المثل الشعبي الشهير (المكتوب باين من عنوانو)، وانضمَّ رغيف الخبز إلى ماراثون خنق الشعب بعد أن تعمّم توزيعه على البطاقة الذكية.

حياة من الترف والبذخ تعيشها فئة من الشعب مقابل حالة تشرّد وفقر و(مرمطة) يعيشها السواد الأعظم من الشعب، فإلى الآن لا نشاهد مسؤولاً أو عضو مجلس شعب يشارك السوريين تعبهم وانتظارهم أياماً وليالي على طابور البنزين، هذا الشعب الذي قدّم مئات الآلاف من شبابه قربان حماية سورية وصدّ التتار الجُدد من المتطرفين والدواعش، يكافأ بشدّ الخناق على عنقه ويجري تكريمه بقرارات تُجبره على النوم جائعاً أو على السفر والهجرة، وحتى المغترب أو النازح واللاجئ لم يسلم من قرارات الإنقاذ المزعومة، فقد فُرض عليه تصريف مبلغ 100 دولار بالسعر الرسمي لدخول بلده، علماً أن حاملي جواز السفر الإيراني واللبناني لا يُفرض عليهم هذا، بل إنهم لا يحتاجون إلى جواز سفر لدخول سورية أصلاً، أمّا من لا يقوم بتصريف المبلع المذكور من السوريين فيُمنع من دخول الحدود، وفي ذلك القرار مخالفة وخرق صريح للدستور السوري الذي يقول إنّه لا يجوز لأي جهة كانت منع المواطن من دخول وطنه تحت أي سبب. تخاذل وتهاون ورعونة تكاد تهدم ما بقي من سورية وتكاد تُشرِّد من بقي من أبنائها، لدرجة أن السوري بات يطالب الله بحسم ما ارتكبه من المعاصي في دنياه الآخرة لأنه قد عاش في سورية، وفي كل أزمة لا نجد سوى مطالبة الحكومة للشعب بالصبر والصمود والتصدي، الصبر على الحرمان والعوز، والصمود في وجه الفقر والبطالة وانعدام أدنى مستويات الرفاهية، والتصدي للحرارة العالية والبرودة القاسية دون توفر الكهرباء والمحروقات، وكأن هذه الحكومة، بقراراتها، تحارب الشعب وتقاتله، والأصل أن تحاول الحكومة جاهدةً أن تحقق الانتصار له، لا عليه!!

العدد 933 - 28/10/2020