واقع الثروة الحيوانية السورية وآليات العودة للإنتاج

سليمان أمين:

يعتبر قطاع الثروة الحيوانية من القطاعات المنتجة وذات الأهمية الكبيرة في سورية، لما يحققه من اكتفاء ذاتي وفائض تصديري إذا ما استثمر بالشكل الصحيح وفق أسس وخطط تنموية صحيحة. وقطاع الثروة الحيوانية هو أسرع القطاعات نمواً في الاقتصاد الزراعي، لذلك فإن تنميته والتحولات الايجابية التي يمكن أن يشهدها يتيحان فرصاً مهمة للتنمية الزراعية وتقليص الفقر وتحقيق مكاسب ملموسة في مجال الأمن الغذائي، وهذا يجعل من الضروري معالجة الواقع الذي آلت إليه الثروة الحيوانية السورية خلال سنوات مضت من الإهمال، وتكبيله بكثرة القرارات الحكومية التعسفية التي أدت إلى شبه توقف لهذا القطاع اليوم عن الإنتاج وعن رفد الأسواق بالمشتقات الحيوانية على مختلف أنواعها، فصارت بلادنا سورية اليوم أمام خسارة أهم قطاع منتج، دون وجود أي خطة علمية للخروج من الأزمة الحالية واستعادة هذا القطاع لدوره الحيوي والهام.

المنتجات الحيوانية قليلة والأسعار جنونية

 شهد قطاع الثروة الحيوانية ارتفاعات كبيرة جداً في الأسعار وصلت إلى مستويات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها جنونية، فقد وصل سعر رأس الغنم إلى أكثر من 300 ألف ليرة سورية، بعد أن كان لا يتجاوز العشرة آلاف في أحسن الأحوال قبل سنوات الحرب، ووصل سعر رأس الماعز إلى أكثر من 500 ألف ليرة سورية، في حين وصلت أسعار الأبقار والعجول إلى أكثر من ثلاثة ملايين للرأس الواحد، بحسب أوزانها وفتوتها وإنتاجيتها. أما في قطاع الدواجن فقد تجاوزت نسب الارتفاع فيها حدود المنطق، فقد سجل سعر الفروج الحي 3400 ليرة سورية، وسجل كيلو لحم الغنم أو العجل ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف ليرة سورية، في حين وصل سعر كيلو الحليب لحدود 700 ليرة سورية، أما كيلو اللبن فقد تجاوز 900 ليرة سورية، وكيلو الجبنة تجاوز 6000 ليرة سورية حسب النوعية، كما سجل سعر طبق البيض حدود 4000 ليرة سورية. ويعود سبب ارتفاع الأسعار إلى كثير من العوامل التي انعكست سلباً على قطاع الثروة الحيوانية، ويمكن أن نذكر منها:   

– تراجع كميات وأعداد الثروة الحيوانية والدواجن نتيجة فقدان المربين لمراعيهم أو تركهم لقراهم.  

–  ارتفاع تكاليف التربية  بسبب عدم توفر الأعلاف من جهة وارتفاع أسعارها من جهة أخرى، خصوصاً بعد القرارات الحكومية غير المدروسة، التي رفعت سعر الأعلاف لأكثر من 100% دون التفكير بالعواقب التي سوف تحصل وحصلت، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأدوية البيطرية ما أدى إلى توقف أكثر من 75% من المداجن عن الإنتاج بسبب الخسائر الكبيرة التي لحقت بأصحابها وعدم مبالاة الحكومة بواقعهم السيئ، إضافة إلى رفع الرسوم الجمركية على الأعلاف والمواد الأولية الخاصة بالقطاع الانتاجي الحيواني، فانعكس ذلك بشكل سلبي جداً على واقع الثروة الحيوانية.

–  ارتفاع تكاليف النقل وتوصيل المنتجات إلى أسواق التصريف، ووجود الكثير من المتحكمين بالطرق السورية وفرضهم إتاوات كبيرة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات.

– تراجع الدعم الحكومي في مسألة توفير وتقديم الأعلاف المغذية للمواشي، بسبب الصعوبات المالية التي تعاني منها من جهة، وضعف قدرتها على استيراد الكميات الكافية منها من جهة ثانية، مما أدى إلى انخفاض كمياتها في الأسواق المحلية، وارتفاع في أسعارها، الأمر الذي زاد من تكلفة التربية وبالتالي في أسعار المنتجات الحيوانية.

– تهريب آلاف الرؤوس من الماشية إلى الأسواق المجاورة، الأمر الذي تسبب بارتفاع أسعارها في السوق المحلية.

– التخبط الكبير في سعر صرف الدولار والارتفاعات التي سجلتها البورصة السوداء خلال الفترة الماضية، مما ترك آثاراً اقتصادية سيئاً على الاقتصاد الوطني وتكلفة الأداء والإنتاج فيه.

مقترحات وآليات العودة للإنتاج الحيواني:

كثيرة هي التجارب والدراسات العالمية الحديثة في تطوير أنظمة إنتاج الزراعي والحيواني للحفاظ على قوة هذا القطاع، لما يشكله من أهمية كبيرة في تأمين الأمن الغذائي، وما نحتاجه اليوم في سورية هو الاستفادة من الدراسات والتجارب العلمية وإيجاد حلول تتناسب مع واقع الجغرافيا السورية الغنية بالمقومات لإنعاش هذا القطاع المهم جداً واستثماره بالشكل الأمثل لتأمين حاجة البلد منه وتصدير الباقي، فالمنتج الحيواني السوري مطلوب خارجياً لتميّزه وجودته العالية، ومن المقترحات والآليات التي نفردها في مقالنا هذا من خلال الأبحاث والدراسات الاقتصادية والزراعية لتحسين وتطوير تقنيات تربية الدواجن وعودتها للإنتاج لابد من:

-إدخال وحدات إنتاجية محدودة الطاقة على المستوى المحلي لإنتاج الصوص اللازمة للتربية الأسرية على المستوى المحلي، وتقديم دعم فني ومالي لتشجيع الأسر الريفية على تربية الدواجن القروية في المناطق الريفية كالدواجن والحبش وغيرها من الطيور الأخرى، وتأتي أهمية تربية الدواجن القروية وضرورة تطويرها من دورها الفاعل في توفير حاجة سكان الريف من البروتين والمنتج الحيواني، إضافة إلى وضع نشرات إرشادية حديثة ومتطورة تفيد السكان في تطوير إنتاجهم وتحسينه، واعتماد برامج التأهيل والتدريب بشكل مستمر من قبل الحكومة والهيئات الأخرى.

– تطوير تربية دودة القز وتربية النحل كمشاريع رديفة للدخل في المناطق الريفية، إضافة إلى فوائدها الغنية.

– تطوير تربية الأسماك في الأحواض على مياه الري الزراعي.

– تطوير البحوث المتخصصة بالثروة الحيوانية والصحة الحيوانية والرعاية البيطرية.

أما بالنسبة للسياسات والخطط المقترحة لتنمية الثروة الحيوانية وتطويرها:

– استمرار الدعم الحكومي في توفير الرعاية البيطرية والحجر البيطري وتوفير مستلزمات الإنتاج الحيواني وخاصة من الأعلاف بشكل مستقر ومستدام، إضافة إلى توفير الدعم اللازم لإعادة فتح العيادات البيطرية ومراكز بيع الأدوية البيطرية لتوفير مستلزمات التربية والرعاية وتقديم الخدمات البيطرية وضمان الحصول على منتجات سليمة مطابقة للمواصفات القياسية ومعايير الجودة.

– إعادة العمل ببرنامج التحسن الوراثي للأبقار المحلية من خلال استيراد ثيران متخصصة وملائمة، والتشجيع على استيراد بكاكير الأبقار من العروق والسلالات الملائمة للمناخ والبيئة.

– إعادة تجهيز مخابر إنتاج اللقاحات ومخابر البحوث المتخصصة بالثروة الحيوانية والتي تضررت خلال الأزمة، لتوفير اللقاحات والأدوية اللازمة لتحصين الثروة الحيوانية ومعالجة أمراضها.

– الاستفادة من المخلفات الزراعية والصناعية في التغذية وإنتاج الطاقة البديلة، والتوسع بزراعة المحاصيل العلفية ضمن الدورة الزراعية كالصويا والذرة …الخ، وتوفير مصادر علفية جديدة وبديلة لتوفير حاجة الثروة الحيوانية من الأعلاف.

– تعميم تطبيق البرنامج الوطني لتسجيل وترقيم الثروة الحيوانية وتطوير قاعدة البيانات المسجلة للثروة الحيوانية.

– تنظيم وتحسين الواقع الخدمي والصحي لمسالخ المواشي والدواجن ومعامل تصنيع المنتجات الحيوانية ولأسواق بيع الحيوانات والمنتجات الحيوانية، وتعظيم القيمة المضافة من منتجات الثروة الحيوانية.

– تطوير أنظمة الحجر البيطري لتمكين المربين من استيراد الحيوانات الحية وترميم القطيع المتضرر نتيجة الأزمة.

– تطوير الإنتاج الحيواني وتنميته من خلال نقل التكنولوجيا المتقدمة وتفعيل صندوق تداول الأعلاف وإحداث صندوق للتأمين الزراعي، اللذين يحققان الاستقرار في سوق الأعلاف، وبالتالي استقرار التربية، ومن خلال تطوير أنظمة الصحة البيطرية وشروط استيراد الحيوانات الحية لتمكين المربين من الاستيراد لترميم قطيع الأبقار المفقود.

  ختاماً

ما نحتاجه اليوم في سورية هو قرار علمي وعملي في إدارة دفة التطوير والإصلاح، فهناك الكثير من المختصين والدراسات والتجارب ذات الجدوى التي يمكن تطبيقها بشكل جيد لإعادة الحياة لقطاعاتنا المنتجة، الزراعية والحيوانية والصناعية، فسورية اليوم بحاجة إلى عقولها وعمالها وفلاحيها لعودة مكانتها الاقتصادية بقوة بعد سنوات الحرب، فلدينا كل الإمكانيات والمقومات للبناء، ولكنها بحاجة إلى قرار والتزام بالتنفيذ.

العدد 921 - 29/07/2020