دول هشّة.. مجتمعات هشّة.. استعمار أوسع

د. أحمد ديركي:

مع بدايات اكتشاف النفط (الذهب الأسود)، كمصدر أساسي لإنتاج الطاقة كبديل عن الفحم الحجري بدأت معالم الاستعمار العالمي تتغير.

لا نفط لا إنتاج! معادلة بسيطة تهزّ أركان العالم برمته وترهب الدول الكبرى كما ترهب الصغرى. بغية الحفاظ على الإنتاج لا بد من الهيمنة على مصادر النفط أينما وُجدت في العالم، وللهيمنة أشكال متنوعة ومتعددة ومنها تشكيل أنظمة سياسية في دول (هشّة) قابلة للتهشّم عند أول منعطف وصولاً إلى الاحتلال العسكري المباشر لهذه الدول (الهشّة) الموجود فيها منابع نفطية.

لأنه لا نفط لا إنتاج، والمنتِج هنا هو الدول الكبرى صاحبة المراكز الأولى على المستوى العالمي، فالهيمنة متأتية من قِبلها على الدول (الهشّة) التي بنتها. ويبدو حالياً أن الاحتلال العسكري المباشر لحقول النفط في الدول (الهشّة) قد تغيّر شكله قليلاً.

الشكل الجديد للهيمنة يقوم على وجود حفنة صغير من جيوش الدول الكبرى في أرض المعركة لتقود الصراعات الإثنية أو القبلية أو الطائفية في هذه الدولة (الهشّة) أو تلك، إضافة إلى تدخلات عسكرية مباشرة من دول (أقل هشاشة) حليفة للدول الكبرى المتناحرة على آبار النفط.

لا يعني هذا أن الدول (الهشة) غير مسؤولة عما يجري من تناحرات محلية وصراعات إقليمية ودولية على أرضها، فهي دول فشلت في بناء دولة بالمفهوم الحديث، وذلك من خلال عاملين رئيسيين:

الأول: لقد أبقت الأنظمة السياسية للدول (الهشة)، وحافظت، على التناحرات المجتمعية القائمة تحت سلطتها، وسترَتْها (بورقة التوت) القابلة للسقوط في أية لحظة لتنفجر فيها هذه التناحرات المجتمعية الداخلية.

الثاني: تبعية الأنظمة السياسية في الدول (الهشة) تبعيةً عمياء للدول الكبرى، ما هدم اقتصادها الإنتاجي محولة إياه إلى اقتصاد تبعي يصب في مصلحة الحليف (الكبير)، والحامي في الوقت عينه، للنظام السياسي القائم في الدولة (الهشة).

لا يقتصر الأمر على الهيمنة على منابع الذهب الأسود، بل هناك أيضاً الهيمنة على طرق مواصلات هذه السلعة الثمينة، التي تصل ما بين (المصدر) والمستهلك. فالهيمنة على (المنبع) تبقى ناقصة إن لم تُتبع بالهيمنة على الطرق التي يسلكها (الذهب الأسود). ومن جهة أخرى هناك الهيمنة على تقنيات التنقيب عنه واستخراجه وتكريره و… أي تحويله من مادة خام إلى سلعة استخدامية تعرض في السوق. وهي تقنيات لا تملكها إلا حفنة قليلة من الدول الكبرى.

فأصبح النفط في الدول (الهشة) لا ينفعها وإن كان موجوداً فيها إلا إذا وقعت تحت هيمنة الدول المالكة لهذه التقنيات، ولأن معظم اقتصادات الدول (الهشة)، إن لم يكن كلها، هي اقتصادات ريعية_ تابعة، فجلّ ما قامت به الدول (الهشة) أنها بنت اقتصادها على بيع هذه السلعة بشكلها الخام لهذه الحفنة من الدول الكبرى، ثم تعود وتستورده منها كسلعة قابلة للاستخدام.

ويبدو أن ما يحدث حالياً من حروب في العالم العربي وعليه (العراق سابقاً، وحالياً ليبيا) يمكن تصنيفه ضمن هذه الخانة من القراءة الأولية. وبشكل مختصر يمكن لحظ أن العراق، البلد النفطي، تهشّم مع الغزو الأمريكي المباشر وأصبح (عراقات) متناحرة عرقياً وطائفياً بينما ينعم نفطه بـ(السلام) تحت مظلة الهيمنة الأمريكية المباشرة، وليبيا، البلد النفطي، تهشم ويبدو أنه على طريق أن يصبح (ليبيات) قبلية، على النموذج العراقي، ونفطه خارج تناحرات (ليبياته) ينعم بـ(سلام جزئي) تحت هيمنة الدول الكبرى، وعندما تتفق هذه الدول الكبرى على تقاسم نفطه تتحول ليبيا رسمياً إلى (ليبيات). وبهذا تعطى الحروب الدائرة على النفط في هذه الدول النفطية شعارات تشوّه حقيقة ما يجري، فتارةً توصف بأنها حروب قبلية، وتارة أخرى توصف بأنها حروب إقليمية، وتارة إثنية… شعارات تعمل على جعل شعوب هذه الدول (الهشة) وقود حروب الدول الكبرى على النفط، وفي الوقت عينه لتبقى دولاً (هشة) وإن نعمت بقليل من السلام اللا دائم، لأنها دول قائمة على تغذية الطائفية والعرقية والمناطقية في مجتمعاتها.          

العدد 928 - 23/09/2020