دور العناقيد الصناعية في إعادة تأهيل الصناعة

فؤاد اللحــــام:

تتناول تصريحات وأحاديث عدد من المسؤولين والمهتمين، بين حين وآخر، ضرورة وأهمية إقامة العناقيد الصناعية ودورها الهام سواء في التنمية المحلية، وفي الاقتصاد الوطني بشكل عامّ. أدّت الأزمة، كما بات معروفاً وواضحاً، إلى تدمير ونهب أعداد كبيرة من المنشآت الصناعية على مختلف أحجامها، وبضمن ذلك المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر التي أقيمت في التجمعات النظامية وغير النظامية. وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن إعادة البناء والإعمار ومن ذلك إعادة تأهيل القطاع الصناعي، فإن مسألة تأهيل هذه التجمعات، وبضمنها التجمعات غير النظامية، يجب أن تعطى أهمية خاصة  في عملية إعادة تأهيلها،  بحيث لا تجري هذه العملية  في الظروف والمناطق نفسها، أو في الأوضاع ذاتها التي كانت عليها قبل الأزمة، بل ينبغي إعادة تأهيلها وفق رؤية تتضمن توطينها في مواقع جديدة مناسبة تصون الأراضي الزراعية وسلامة البيئة، وتضمن البيئة الداعمة لهذه المنشآت، وتقدم كل الخدمات والتسهيلات اللازمة لتمكينها من التطور وتحسين قدرتها التنافسية. وتعتبر التجمعات العنقودية الصناعية، أو كما تعرف بالعناقيد الصناعية، أحد أهم الأساليب التي يمكن اتباعها وتطبيقها في هذا المجال.

يعرف العنقود الصناعي بأنه تجمع جغرافي يضم مجموعة من المنشآت التي تجمعها روابط مشتركة في الإنتاج والتسويق والترابط الأمامي والخلفي فيما بينها، ويضم العنقود عادة المؤسسات الداعمة لنشاطه كمراكز التدريب ومعاهد التعليم والمراكز الفنية التي تساهم في تعزيز قدرته التنافسية. ولا تنحصر أهمية ومفهوم العنقود بالجانب الجغرافي فقط، بل يشمل إرادة التعاون والتنسيق بين مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، بما يؤدي إلى زيادة الربحية ورفع الإنتاجية، كما يحقق العنقود الصناعي تقدماً هاماً في وعي وثقافة أعضائه، بالانتقال من المفهوم الفردي إلى التعاون الجماعي، ما يفتح آفاقاً جديدة لتطوير المنتج والنفاذ إلى الأسواق الجديدة، الأمر الذي من شأنه أن يساهم ليس فقط في تطور التجمع بحد ذاته، بل في تطوير الصناعة والمنطقة وبالتالي الاقتصاد الوطني بشكل عامّ.

ويعتبر أسلوب العناقيد الصناعية من الوسائل الأساسية الهامة في التنمية الصناعية والاقتصادية، من أجل رفع معدلات النمو الاقتصادي ورفع مستوى المواطنين، من خلال تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخلق المزيد من فرص العمل التي تساهم في خفض معدلات البطالة والفقر. كما يلعب هذا الأسلوب دوراً هاماً في جذب الاستثمارات والتطوير التكنولوجي وخبرات الإدارة والتسويق الحديثة. ويوجد في قاعدة بيانات معهد التنافسية وحدها معلومات عن ما يزيد عن 800 عنقود صناعي في 52 بلداً حول العالم. ومن أشهر العناقيد الصناعية في العالم، عناقيد صناعة الألبسة والأحذية والسيراميك في شمال ووسط إيطاليا، ووادي السليكون في ولاية كاليفورنيا (صناعة الكمبيوتر) وهوليود لإنتاج أفلام سينمائية (الولايات المتحدة)، وعنقود سيالكوت Sialkot لإنتاج الأدوات الجراحية في مدينة سيالكوت الباكستانية، وعنقود بنغالور لصناعة البرمجيات بالهند. وهناك العديد من العناقيد المختصة بالتصنيع الزراعي في مختلف قارات العالم مثل عنقود صناعة القهوة والزهور في كينيا، وعنقود سمك السلمون في تشيلي، وعنقود تربية الماشية في الصين، وعنقود صناعة النبيذ في جنوب إفريقيا، وعنقود صيد السمك في بحيرة فكتوريا، وعنقود القهوة في نيكارغوا، وعنقود إنتاج العنب في ماهارشترا بالهند.

يشير الدكتور بورتر في نظريته حول التنافسية إلى أن تنافسية الدول هي نتيجة تنافسية الشركات العاملة فيها، وأن أكثر الشركات تنافسية هي تلك التي تعمل وتتكامل فيما بينها في صناعة محددة ضمن تجمّع صناعي واحد، وحتى تصل إلى هذه الغاية المنشودة فإنها بحاجة إلى مناخ استثمار مناسب.

تساهم العناقيد الصناعية في التغلب على العديد من العقبات التي تواجه الصناعات الصغيرة والمتناهية الصغر، من خلال توفير الموقع النظامي المرخص، وسد الفجوة في التمويل، وتوفير الدعم الفني اللازم في الإنتاج والتصدير، وفي مواجهة المخاطر والتحديات التي يتسم بها عالم اليوم. كما أنها تلعب دوراً هاماً في توفير فرص العمل في بلدات ومناطق في أمس الحاجة لهذه الفرص من أجل تنفيذ برامج التنمية الإقليمية والوطنية وتحقيق التنمية المستهدفة.

كما يوفر العنقود الصناعي لأعضائه، نتيجة القرب الجغرافي، فرصة التخصص والحصول على مستلزمات الإنتاج بوقت أسرع وبكلفة أقل، من خلال الاتفاقيات الجماعية للمشتريات والخدمات التي يمكن الحصول عليها بسرعة وبشكل أرخص وأفضل، بما يمكنه من خفض تكاليف منتجاته وأسعارها والحصول على حصة أكبر في السوق. كما يوفر العنقود فرصة الحصول على المعلومات والخدمات الخاصة بالأسواق والتفاوض وغيرها بكلفة أخفض، وبضمن ذلك عدم الحاجة إلى الاحتفاظ بمخزون كبير نتيجة التكامل الخلفي مع المنشآت الأخرى ضمن العنقود.

ومن جانب آخر يساهم العنقود في تحفيز وتنمية روح الإبداع والابتكار لإنتاج منتجات جديدة تلبي أذواق المستهلكين، بالاستفادة من إمكانيات المؤسسات الداعمة وكذلك الجامعات ومراكز البحوث المتخصصة بكلفة ومخاطر أقل.

في سورية كانت توجد نويات لتجمعات عنقودية صناعية مثل صناعة المفروشات بداريا، والألبسة في منطقة الزبلطاني، أو في الكلاسة وغيرها بحلب، وهذه التجمعات القائمة ينبغي تطويرها، كما ينبغي اتباع سياسات خاصة لإقامة مثل هذه التجمعات في المناطق المؤهلة لذلك وذات الأولوية، التي تبيّنها الدراسات وتنسجم مع الرؤية المعتمدة لإعادة تأهيل الاقتصاد السوري بشكل عام والصناعة السورية بشكل خاص، ويمكن الاستفادة في هذا المجال من الإمكانيات المتاحة للمدن الصناعية في عدرا وحسيا والشيخ نجار، إضافة إلى المناطق الصناعية النظامية الأخرى.

المصدر: موقع الصناعي السوري

العدد 1107 - 22/5/2024