إلى جريدة (النّور) في عيدنا الثالث

غزل حسين المصطفى:

_إلى دوار التّربية، إذ استوقفني ذات صباح وهمس لي: أيُّ موعدٍ قد يخلق في أنفاسك كلّ هذا الشغف؟!

انظري كيف أنَّ الياسمينة هناك، من غيرتها، تتمطّى لتلثم شعرك، لعلّ زهراتها تعبق ببعضٍ من ابتسامتك!

_إلى العم أبو ربيع، ورائحة الهال العالقة في نبرة صوته مع كلمة (يسعد صباحك عمّي!) إذ يفتح شبابيك روحي حين يفتح لي باب الجريدة مُرَحِّباً، تلك الملامح الطّيبة وتقاسيم الأبوّة التي تسقي أخاديد وجهه.

إلى الكرسي الخشبيّ العتيق الّذي ظلَّ ينتظرني في كلِّ ثلاثاء حتّى يرى كيف تُخلق للكتب المركونة على الرّفوف في غرفة رئاسة التّحرير، آذان تسترق السّمع إلى أفكاري المجنونة وأسئلتي الطّويلة.

هناك وعلى ذلك الكرسي زرت بلداناً كثيرة، أطوف بخيالي عبر نبرة صوت وأحاسيس قاصّ الحكاية.

إلى الأستاذ بشار، عرّابي، من خلف طاولته الحديديّة، يقرؤني من عيوني_ كما يقول_ يُعطي للأشياء مُسمّياتها ويُعرّفها، يُسخّر الفضاء كلّه لأجنحة النقاش، فتعود نفسي إلى نفسي بحُلّتها الأبهى.

إلى يوم الاثنين، الموعد الجديد الذي حلّ على عمري منذ ما يقل عن السنة، أكون فيه تلميذةً _لا أدري ما إن كنت نجيبةً_ في رحاب الجريدة، أتنقّل بين سطور المقالات الواردة بقلم التّدقيق اللّغوي، أغوص بحبٍّ وبفضول في تفاصيل إكمال العدد الصادر، وكيف تجتمع المواد وتصبح صفحة من صفحات الجريدة.

_إلى الأستاذ ذوقان، أستاذي، كلّما ضيّعت مفتاحاً من مفاتيح التّدقيق يُعيد صياغة آخر بكلِّ ما وُهِبَ من صبرٍ وعطاء مُعلّم، ويشهد بريدي الإلكتروني الوارد على أمانته في الحفاظ على مشكاة نور اللّغة العربيّة في روحي وبصيرتي.

_إلى الزملاء الذين يجعلون من تلك الغرفة في نهاية الممرّ من جهة اليسار، خليّة عملٍ تتآلف فيها صيحات الطابعة لنفاد ورقها، مع تعقيباتنا حول آخر المستجدات ونحن نُرابط خلف شاشات الحاسوب، مع صوت فيروز أو القدود وربما العود (الأستاذ محمود، الأستاذ ناجي).

_إلى رائحة الحبر والورق الّتي تُعرّش على جدران فُنجان قهوتي النّاعس، قد غرقت في النّصوص وتركته وحيداً يُطالع تفاصيل وجهي.

_إلى من معهم وبهم تكتمل ملامح يوم الاثنين في الجريدة (الأستاذ يونس، الأستاذ عاطف ، الأستاذ نصر).

_إلى صفحة (شباب ومجتمع) التي كانت منها البداية، إلى كلّ زميل فيها ركب الموج معنا وضمَّ الصّوت إلى الصّوت لعلّ رسالتنا تصل.

_إلى المركز الثّقافي في (أبو رمانة) والثلاثاء الاقتصادي، إذ أعود وفي جعبتي للجريدة مقال، لكن زادي من المعرفة تجاوز تلك السّطور.

_إلى كلّ كادر جريدة (النّور) في بقية أيام الأسبوع ومن خلف الشاشات، خصوصاً (الأستاذ مازن، الأستاذ عمّار، الأستاذ عادل، الآنسة سهام).

_إلى من سأختم بها ولكنها البداية..

_إلى من صاغت بحروفها وتعليقاتها حول ما أكتب قلماً جديداً يتوق في كلّ مرّةٍ ليصنع ثوباً أبهى لموضوعه..

_إلى الّتي وضعت معي ركائز صفة (صحفية) منذ اللحظة الأولى..

_إلى من ظلّلت بجناحيها كلّ مقالاتي.. إلى منارتي: الأستاذة إيمان ونوس!

إلى جريدة (النّور) في عيدنا الثالث!

إليها حين كانت النّور الذي تلّقف يدي، سمع صوتي، استقبلتني طالبةً جامعيّةً وأعطتني من فلكها نجوماً أرسم بها ملامحي الصحفية.

إليها حين استودعت عندها كلّ أفكاري وحكاياتي بين الفواصل وعناوين مقالاتي الأسبوعيّة.

إليها حين كان اسمي يُطرّز في صفحاتها (غزل حسين المصطفى)، وتعبق روحي برائحة الجرائد.

إليها حين كانت في عمري ثلاث سنوات من التّفاصيل، من التعلّم والبناء.

إليها في كلّ النقاط والأفراد الذين ذكرتهم آنفاً وما بقي منها عالقاً في نبضي ما عرفت لغتي وصفه.

كلّ عامٍ وأنا مدلّلتك!

كلّ عامٍ وأنتِ فضائي!

العدد 921 - 29/07/2020