هلّا تركتم لنا بعض أملٍ؟

إيمان أحمد ونوس:

يبقى الأمل زادنا على المدى، فهو نور يُضيء ظلمات ومجاهل دروب العمر منذ الخطوة الأولى، كما أنه دافع هام وحساس في مسيرة الحياة، على مستوى الأفراد أو المجتمعات البشرية التي لولاه ما وصلت إلى ما هي عليه اليوم من تقدم الحضارات وعلومها وفنونها كافة.

فالأمل هو الجذر الأساسي لأهداف يسعى الإنسان لتحقيقها منذ ترى عيناه النور، ومنذ بدء تفتح وعيه ومداركه وتشكّل خبراته الحياتية كي يحيا حياة طبيعية كما حال البشر جميعاً. فالأمل بمستقبل أفضل، أو تحقيق أهداف وطموحات أكبر هو مبعث كل ما من شأنه العمل على تطور ورقي اتجاهات الحياة واحتياجاتها الأساسية.

من هنا نجد أن الأمل لصيق بالجميع، وصديق لهم في الوقت ذاته، يساعدهم على تجاوز الكثير من العقبات والعثرات التي تعترضهم، أو تخطي آلام المصائب والمحن التي تطولهم.

فلولا الأمل ما استمرت البشرية حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، ولما أكمل الناس حياتهم بعد ألم وحزن بمسيرة جديدة يغطي دروبها الفرح والتفاؤل.

أيضاً لولا الأمل لما نهضت الشعوب مجدداً بعد حروب طاحنة أطاحت بكل معالم الحياة تقريباً، فالحربان العالميتان التهمت نيرانها الشجر والحجر والبشر بالملايين، ورغم ذلك نهضت البلدان بشعوبها التي بدأت مسيرة جديدة ارتكزت على الأمل بغدٍ أفضل يعمُّ فيه السلام والأمان والمحبة. ولا يفوتنا عظمة الثورة الجزائرية التي قدّمت مليون شهيد على أمل استقلال رائد يُعيد للجزائريين حريتهم وكرامتهم، فكان لهم ما أرادوا ولو بعد عقود طويلة، حالهم حال معظم الشعوب التي وقعت في قبضة البلدان المُستعمِرة.

ونحن اليوم في سورية، رغم فظاعة وهول ما جرى ويجري، ما زلنا متشبثين بأمل لا يُفارقنا، أمل بعودة الاستقرار والأمان لبلدنا وحياتنا التي باتت خلال سنوات الحرب وما تلاها وحتى اللحظة نهباً للخوف والرعب والقلق والموت المجاني القائم على مصالح فاسدين ومُفسدين همّهم الوحيد مناصب أو مكانة تمنحهم رخصة إذلال الناس ونهبهم دونما شفقة أو حساب، مصالح تُجّار فاسدين أثروا على حساب موت الآخرين وجوعهم وقهرهم، إضافة إلى مصالح مفاجئة وغريبة عن مآربنا وحياتنا، مصالح ينشدها غرباء همّهم الوحيد مكاسب مادية تتوّجها غايات وأهداف ترمي لتخريبنا وتخريب وتدمير حضارة عمرها من عمر البشرية، كما ترمي لزرع الفتن والتفرقة والحقد والكراهية بين أبناء شعب تميّز على الدوام بالمحبة والتعاون والألفة التي عشّشت في نفوس الجميع دونما شعور بتفرقة أو تمييز قائم على عرق أو دين أو قومية أو ما شابه.

نعم، ما زلنا محكومين بأمل كبير يُنهي هذا الكابوس الرهيب الذي خرّب كل معالم حياتنا كما خرّب نفوسنا وجعل البعض منّا لا يتوانى عن أكل لحم أخيه ميتاً أو حيّاً فقط من أجل مكاسب دنيئة ولا أخلاقية، أمل يُعيد للبعض منّا إنسانيتهم التي فقدوها على مذبح الطمع والنهم وإرضاء غريب غايته القصوى تنفيذ مصالحه أولاً وأخيراً ولو على حساب آدميتنا وإنسانيتنا حتى بتنا بنظره مجرّد حشرات لا معنى ولا قيمة لوجودها في الحياة.

ما زلنا محكومين بأمل يأخذنا إلى واقع خالٍ من أولئك الفاسدين الذين جعلوا بلدنا وحياتنا ساحة نهب واستغلال واسعة لكل ذي سلطة ونفوذ وجاه دونما مقومات حقيقية وأصيلة لذلك النفوذ والجاه، بل جاه ونفوذ قام على الإثراء من وراء عمليات النصب والاحتيال والتطاول على جميع القوانين السماوية والوضعية، إثراء قام على نهب الممتلكات العامة والخاصة دونما رقيب أو حسيب، وجاه قام على اختلاس حقوقنا في ثروات بلدنا الباطنية والظاهرية حتى باتوا كالجراد يلتهم الأخضر واليابس وتربّعوا على عروش كرامتنا فبتنا لهم عبيداً وخدماً ندفع عنهم ضرائبهم، ونعمل على إرضائهم بدل أن يكون العكس كي نرتقي كشعب بما حباه الله لبلدنا من جمال وخيراتٍ تحسدنا عليها باقي الشعوب.

ما زال أملنا كبيراً في أن نصل إلى يوم أو زمن يأخذ كل ذي حقٍ حقه في كل مناحي الحياة دون وساطات أو رشوة أو استخدام نفوذ وجاه، وأن نصل إلى حقوقٍ يكفلها لنا دستور يساوي بين الجميع.

أجل، ما زلنا مفعمين بأمل العيش دون خوف من تبني رأي أو فكرة أو حلم، ودون خوف على مستقبل أولادنا وحقهم في اختيار مجالات حياتهم العلمية والعملية والاجتماعية، بعيداً عن تسلّط قوانين السوق والعولمة الجائرة التي لا تدع مجالاً سوى لأغنياء جُدُد أثروا على حساب حقوقنا وأحلامنا ببلد يفتح ذراعيه لجميع أبنائه بحب وعطاء يُبعدهم عن التفكير بالهجرة والاغتراب لأنهم لا يستطيعون تحقيق طموحاتهم وأحلامهم في بلد لم يشعرهم بالمواطنة الحقيقية.

وما زال شبابنا على قيد أملٍ في أن يبني حياته ووطنه كما يريد هو، لا كما يريد الآخرون الذين يسرقون الأمان كما يسرقون الآمال والأحلام والاستقلال.

فرغم كل ما جرى في الماضي ويجري اليوم، رغم هروب الأمن والأمان، وخوفنا على حياتنا وممتلكاتنا وحقوقنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، ورغم تسلّل الخيبة إلى نفوسنا بما يشي به الحاضر والمستقبل المنظور، ما زلنا شعباً يحدوه الأمل ببلد يسوده الأمن والأمان الحقيقيان، والمساواة الفعلية الصادقة كي ننهض من تحت ركام آلامنا وقهرنا وتشرّدنا، لنسترد بعضاً من فرح وعطاء واستقرار يُشعرنا أننا على قيد الإنسانية والحياة الكريمة التي تليق بنا كسوريين تكاتف جميع المفسدين والفاسدين والخونة والطامعين من أجل إذلالنا وقهرنا.

فهلاّ تركتم لنا بعضاً من هذه الآمال والأحلام، يا أولي الألباب!؟

العدد 921 - 29/07/2020