بين العلن والخفاء الجريمة ذاتها

أنس أبو فخر:

حادثة اغتصاب الطفل السوري زوبعة في فنجان!!

العدالة للطفل السوري، هاشتاغ التصق بكل المنشورات والتغريدات التي استنكرت وأدانت الجريمة، لم تتأخّر الشعوب العربية عن مهاجمة الفاعلين والمطالبة بمحاكمتهم بأسرع وقت في حادثة وصفها البعض بالمحاكمة الإلكترونية، ولكن إلى الآن لم يجد لنا التعاطف حلّاً، أوليس الأجدر بنا التعاطف الجدّي لثورة فكرية تُجفّف لنا هذا المستنقع؟

هي ليست أوّل حادثة من هذا النوع، كما أنها لن تكون الأخيرة، ذلك ليس تشاؤم كاتب أو سوداوية أفكار، إنما هي الحقيقة، لأن مثل هذه الجرائم تصاعدت وارتُكبت كثيراً، ومنها ما هو أفظع وأشدّ، كاغتصاب القاصرات وقتلهن، كذلك لا ننسى الجريمة التي قام فيها الأب بقتل زوجته وطفليه بدم بارد، أو جرائم الخطف وطلب الفدية وممارسة أسوأ أنواع التعذيب على الضحية للضغط على أهله ودفع المال، والكثير من الحوادث المشابهة والتي لا يسعني الإشارة أكثر لكثرتها واختلاف سادية المجرمين المتفق عليها، ولكن جميعها أخذت تصعيداً على (السوشال ميديا)، بينما على أرض الواقع لم يتغيّر شيء.

وما يجعل أرقام هذه الجرائم في تصاعد مستمر، وربما وأنا اكتب الآن تحدث جرائم جديدة، هو المناخ المثالي والبيئة الخصبة لكل أشكال ومظاهر القذارة الفكرية والأمراض العقلية والنفسية والكبت الجنسي وبذرة الإجرام الفطري التي نبتت وأثمرت بوقت قياسي، والحق أقول إن الاغتصاب الجماعي للطفل السوري في لبنان لم يهزّني، وقد شعرت وكأن هذه الجريمة نتيجة طبيعية لما نحن فيه، ربما قد شاخت أرواحنا مبكّراً ونحن نبكي أطفالنا الغارقين والذين قذفتهم أمواج المتوسط على سواحل الدول، والذين فقدوا حياتهم من البرد والقصف والجوع والعطش ووحشية الركام الذي كان يُغلق مجرى التنفس في صدورهم الصغيرة، فمثل هذه الحادثة -اغتصاب الطفل- لا تُقارن إطلاقاً باغتصاب الأم أمام أطفالها، ولا تقارن أبداً باغتصاب الزوجة أمام زوجها، واغتصاب الطفلة بعد خلافٍ مع والدها وغيرها من حوادث لا أمتلك قوة الأعصاب لكتابتها.

هل هذا المجتمع مثالي حتى تكون هذه الجرائم دخيلة عليه؟

جميعهم مجرمون، ولكن منهم من جاءته الفرصة ليفرّغ سمّه في أجساد من حوله، لا فرق بين الجريمتين، فجريمة الاغتصاب الزوجي لا تقلُّ قذارة وإجراماً عن أخواتها من جرائم الاغتصاب إلّا في غلافها الشرعي وبالقانون غير العلماني، وجرائم التحرّش الجسدي التي تُزهق أرواح الفتيات بسبب وحش يُقاد بغرائزه لا تقلُّ إجراماً عن أخواتها من جرائم القتل. باختصار لا يمكن الحديث عن فئة من المجرمين وغضّ الطرف عن الفئة الأكثر خطراً وهم هؤلاء الذين يمارسون جرائمهم في السر وتحت أسقف منازلهم، لأنهم ما إن تأتيهم فرصة ممارسة هذه الجرائم خارج المنزل حتى يمارسوا أشدّ بشاعة منها في العلن.

بالتالي، كل هذه الجرائم الوحشية هي ناتج طبيعي جداً، لأن هذه الأمراض النفسية والعقد التي تراكمت نتيجة ظروف قاسية عاشوها، وموروث أسري فكريّ رجعي ومتخلّف، وبسبب الكبت الجنسي المفروض على هذه الشعوب بضغط رجال الدين وغياب المناهج العلمانية في القانون والمجتمع والتعليم، لكنها في السابق كانت تحدث بشكل خفيف هنا وهناك بأرقام صغيرة، لكن مع نشوب الحرب واشتدادها مطلع عام 2013، كانت البيئة قد أصبحت جاهزة لتحتضن الجرائم أكثر، وبشكل أكثر وتطوراً في بشاعتها وساديتها، كما كان المناخ مثالياً، لكن من يمارس هذه الأفعال على أفراد بيته للخروج والوصول للمجتمع.

أسبابٌ ودوافع مختلفة، والجريمة في تطور، فما الحل؟

يمرُّ أمامنا مقطع فيديو لبسام وهبي صاحب متجرٍ شهير، كان قد اختُطِف مطلع الأزمة السورية واشترط الخاطفون لإطلاق صراحه دفع فدية آنذاك بلغت مليوناً ونصف المليون دولار، واستمر الخاطفون بإرسال الفيديوهات لذويه أثناء تعذيبه للضغط عليهم، حتى بلغ الأمر بهم لقطع إصبع يده وإرساله لأسرته حتى دفعوا مبلغ 80 ألف دولار، وأطلقوا صراحه، هذه الحادثة الأولى من نوعها منذ تسع سنوات جرى استنساخها على مدار عقد كامل، فلم تكن جرائم الخطف وطلب الفدية التي جرت بعدها أقلُّ قباحة منها بل زادت وفاقتها، ولكن الذي اختلف فيما بعد هي الأسباب والدافع لهذه العمليات، فانقسام الرأي في سورية على خلفية ماجرى مطلع عام 2011 جعل هذه الأعمال لا تقتصر دوافعها على العنصر المادي أو السرقة، بل أصبحت نوعاً من تصفية الحسابات سواء كانت سياسية أو خلافات على تقاسم الغنائم في المناطق المدمّرة أو عسكرية بين فصائل ومليشيات متقاتلة، ومع ارتفاع حدّة الأحداث ارتفعت معها عصابات الخطف والقتل وتنوّعت واختلفت أسبابها، لكنها بالمقابل كانت في سباق استعراضيّ لقباحة الجريمة ليس غير، حتى أضحى انتشارها في سورية عامة شبيهاً بانتشار السرطان في جسم متهالك ضعيف.

المشكلة الحقيقية ليست في انتشار الجريمة وتفوّقنا على شيكاغو ولاس فيغاس في الولايات المتحدة الأمريكية، المشكلة في نظري هي التعاطي الخاطئ مع هذه الجرائم سواء من الدولة أو المجتمع المدني، لأننا لسنا أمام جريمة حدثت مصادفة ولمرة واحدة، بل نحن أمام جريمة تشبه الفيروس بالعدوى والانتقال خاصة في حالة الحرب والدمار النفسي والفكري الناتج عنها على الإنسان السوري، وبالتالي فالتعامل معها هو التعامل مع أجيال قادمة وليس مع مجرمين فعلوا فعلتهم، وهذا ما يجعلنا في نقدٍ مباشر لقانون العقوبات في سورية الذي من المفروض أن يخضع للتعديل حاله حال العقوبات في دول مدنية متقدمة استطاعت خفض هذه الحوادث وبناء أجيال سليمة نفسية كتونس والجزائر والإمارات العربية المتحدة وغيرها، فصرامة العقوبات ونزاهة القضاء هي أكثر أنواع الديكتاتورية البنّاءة للمجتمعات، إضافة إلى التعامل مع من هم في السجون التي تلصق سمعة سيئة بالداخل إليها حتى ولو كان مظلوماً، فلا نجد استغلالاً لهذه الأعداد في مشاريع زراعية حكومية أو صناعية من شأنها تخفيف أجور اليد العاملة وصقل شخصية المسجون وجعله عنصراً فعّالاً لا قنبلة موقوتة عاشت في ظلام السجون وتدهورت نفسياً أكثر ممّا كانت عليه، إضافة إلى المجتمع الذي ما يزال يستقبل أعمالاً درامية ويضعها أمام الطفل والمراهق وفيها من الأفكار البشعة ما يجعله توّاقاً لخوض تجربة شبيهة، فاليابان على سبيل المثال لجأت لأفلام الإنمي أو ما يعرف بالرسوم المتحركة مثل المسلسل الشهير (كونان) وقد تمكّنت من تطوير أجهزة الأمن والتحقيق إضافة إلى مسلسلات الكابتن ماجد ورابح وغيرها، واستطاعت استقطاب المواهب الشابة لتطوير ميدان الرياضة فيها، ونحن وللأسف لم نستفد من هذه الأعمال ولم ننتبه من أعمالنا التلفزيونية والدرامية ذات الطابع الرجعي والتي قد كتبت عنها في مقال سابق، والأعمال ذات الطابع العنفي الذي بسّط الجريمة وقدم أفكاراً جديدة لفئة مهزوزة قد غرقت في مستنقع الجرائم.

ولهذا نحن لسنا أمام مشكلة الاغتصاب والقتل وغيرها، ولسنا بحاجة للحديث الدائم عنها، بل بحاجة إلى جهود على مستوى التعليم وعلى مستوى القوانين، وعلى مستوى الفن والمسرح والذي هو مرآة المجتمع والعنصر الأكثر قدرة على تقويم الفكر، كذلك إلى جهود أكبر من الأطبّاء النفسيين الذين للأسف هم أكثر شريحة مهمّشة في المجتمع لنظرة المجتمع الخاطئة لعيادة الطبيب النفسي، وسكوت أصحاب الكلمة المؤثّرة على هذا الأمر، فكلّنا مرضى نفسيون ويكفينا أننا عشنا هذه الحرب حتى نكون كالمغناطيس نستقطب كل العقد النفسية إلى داخلنا.

العدد 937 - 25/11/2020