الدورة الـ74 للأمم المتحدة لن ترقى إلى مستوى الطموح!

د. صياح عزام:

في ضوء انعقاد الدورة الـ74 للأمم المتحدة، يسترعي الانتباه ما قاله الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش، لوكيله الجديد للتواصل العالمي ميليسا أفليمنج، والذي كشف فيه عن ثقوب كبيرة الحجم تعتري عمل الأمم المتحدة، وهذه الثقوب أو السلبيات آخذة في الاتساع في معظم جوانب عملها، معلناً أن (العالم لا يسير في الطريق الصحيح)، وقد أورد جملة من العينات والشواهد على ذلك، منها: الطوارئ المناخية التي تضرب الأرض من عواصف وأعاصير كاسحة وفيضانات وارتفاع غير مسبوق في درجة الحرارة مع جفاف يزحف بثقة، وزيادة متواصلة للكراهية والتعصب، وانعدام المساواة وعولمة ابتزازية ليس فيها حتى الآن فرصة أن تكون عادلة، ونقص في التمويل اللازم للتنمية، وشكاوى أخرى.

ولكن ما لم يأتِ غوتيريش على ذكره من سلبيات عمل الأمم المتحدة هو التمادي الكبير والبشع في عدم الاعتراف بالمصير المشترك، تمادٍ يحركه تنافس متوحش وسباق غير بريء ولا شريف. وهنا من الملاحظ أن الأمين العام للأمم المتحدة أحجم عن أن يطرح دليلاً واحداً على هذا السلوك المتوحش، ما يعكس حرصه على محاباة الدول التي تمارس هذا التوحش، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. وبالأحرى، فمحاباة هذه الأصح أن تندرج ضمن عدم الجرأة، والسكوت المذل، للتعتيم على الموقف الأمريكي والمواقف المؤيدة له والسائرة في ركاب السياسة الأمريكية.

وإن لم يكن الأمر كذلك فماذا يسمى شعار (أمريكا أولاً) الذي أطلقه الرئيس الأمريكي ترامب أساساً لمنهجه وسياسته؟ وماذا يسمى تراجع المنظمة الدولية عن نشر فظائع توصلت إليها لجانها وبعثاتها، بعد أن سارعت دول ارتكبت تلك الفظائع ورفضت دفع التزاماتها المالية إذا امتنعت المنظمة الدولية عن سحب ما نشرته؟! يؤكد محللون سياسيون قرؤوا حديث الأمين العام للأمم المتحدة بشكل موضوعي ودقيق: إن حديثه فيه ما يشبه الغصة، غصة لو أنها أزيحت لكان قد تبين كم هو حجم التستر والتعتيم على حساب الحقائق، ولهذا استنسخ توصيات وردت في تقرير سابق (من أرض واحدة إلى عالم واحد) أعدته لجنة عالمية للبيئة والتنمية، بتكليف من الأمانة العامة للأمم المتحدة عام ،1987 أي قبل اثنين وثلاثين عاماً، وبالتحذيرات ذاتها التي جاءت في السلبيات التي أشار إليها (أي العينات والشواهد) تقريباً.

ويقول أحد الكتاب السياسيين في صحيفة (الوطن) العمانية إن دبلوماسياً عراقياً عمل في الأمم المتحدة، عندما كان بطرس غالي أميناً عاماً لها، نقل إليه أنه إن أراد الأخير_ أي بطرس غالي_ أن ينمّ بسرٍّ إلى شخص مقرّب إليه وموثوق، عن حقيقة معينة، كان يخرج إلى باحة المنظمة ليقوله، خشية أن تلتقطه السماعات الخفية التي تغطي مكتبه برعاية المخابرات المركزية الأمريكية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضآلة حرية الأمم المتحدة أو انعدامها، في ضوء هذا الإرث من الحصار والمحاصرة، وعلى شدة مراقبة كل كلمة تأتي على لسان الأمين العام للمنظمة ونوابه ومساعديه!

لا شك في أن اعترافات أنطونيو غويتريش بالسلبيات التي تعيق أعمال المنظمة الدولية تستحق التقدير، ولكن أهميتها كانت أكبر بكثير، لو أنه وثّق اعترافه بالكشف عن الدول التي زجّت الأمم المتحدة في مستنقع الأخطاء المزمنة والقاتلة والمتجاهلة لحقوق الشعوب، أو الساكتة على الخطأ خوفاً على المنصب أو محاباة لأمريكا بالدرجة الأولى، فالولايات المتحدة كما هو معروف، هي التي هيمنت على المنظمة لعقود طويلة وقيدت عملها، ومنعتها من أن تعمل بموضوعية وبما ينسجم مع ميثاقها ومبادئها، وأكبر مثال على ذلك هو حمايتها لكيان الاحتلال الإسرائيلي، بمنع المنظمة الدولية من اتخاذ أي قرار يدين هذا الكيان بسبب تجاوزاته وخرقه للقرارات الدولية وتنكيله بالشعب الفلسطيني على مدى سبعة عقود، وكذلك بمنع المنظمة من اتخاذ قرارات فاعلة تدين الدول الراعية للإرهاب والداعمة له وخاصة في سورية.

يبدو، في ظل مثل هذه المحاباة وعدم تسمية الأشياء بمسمياتها، أن نتائج الدورة 74 للأمم المتحدة ستكون مماثلة لسابقاتها من الدورات السنوية، ولن ترقى إلى مستوى الطموح، لأنها تفتقد للحضور السياسي الأخلاقي، في عالم يعاني من زخم حب الهيمنة المتأصلة لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإن كانت هذه الهيمنة في بداية الطريق إلى الانحسار في ظل صعود الاتحاد الروسي والصين وغيرها.

 

العدد 993 - 19/01/2022