هل الشيوعية قادمة مع ثورة المعلومات؟

صفوان داؤد:

(الشيوعية هي مرحلة ما بعد الرأسمالية والاشتراكية، حيث نكون قد قضينا، من خلال الإنتاج على الندرة). هذه الفكرة واحدة من أكثر البديهيات المعروفة والمتداولة في الأدبيات الشيوعية وأكثرها رسوخاً، انطلاقاً منها استوقفني تكرار ظهور دراسات ومقالات في الصحافة الغربية، تتحدث عن عودة الشيوعية إلى المجتمعات بفعل التقدم التكنولوجي الهائل والمتسارع، ويبدو أن كثيراً من المؤشرات تشير إلى تطور هذه المجتمعات وفق نمط كانت قد نادت به الشيوعية الكلاسيكية، لكن مع حضور حاسم لوسائل التواصل الاجتماعي وثورة المعلومات و(المراقبة)، التي لا يشكّ أحد أنها غيرت جذرياً في أنماط سلوك البشر، وأضحت الوسيلة الأمكن والأقوى في السيطرة على جموع الناس، وتقودها حالياً شركات عالمية مثل (أمازون، فيسبوك، مايكروسوفت، وآبل).

يقول الكاتب البريطاني ذو الميول اليسارية في كتابه (شيوعية مترفة مؤتمتة بالكامل)، أنه واعتماداً على بديهة هيمنة النظام الرأسمالي القائم على الاحتكار والندرة، أي بيع المُنتج المُحتكر ذي التكلفة المنخفضة بأعلى الاسعار، نتيجة إعطائه صفة (الندرة) الوهمية، فإن التكنولوجيا قد حطمت هذه الحقيقة وجعلت كل شيء متاحاً ولم تعد الندرة صفة حاسمة. وهناك العديد من الأكاديميين والكتاب تناولوا انهيار هذه الصفة أمثال (آدم غرينفيلد) في كتابه (تقنيات متطرفة: تصميم الحياة اليومية)، بيتر فريز في كتابه (أربعة أنواع من المستقبل)، بول ماسون في كتابه (ما بعد الرأسمالية)، والكاتب آرون باستاني في (شيوعية مترفة مؤتمتة بالكامل)، و(بيان التسريع) وهو كتاب حديث النشر لـ(ويليام وزميله سيرينيسك)، جميعهم باتوا مقتنعين أن التكنولوجيا هي حليف للطبقات الوسطى والشعبية، فالموسيقا ومشاهدة كرة القدم والحصول على المعلومات الأكاديمية والأسرار العلمية وإنشاء أعمال جديدة لم تعد حكراً على الأغنياء، بل أصبح هناك عدد لايحصى من الطرق لحصول الفئات الأخرى على المنتج نفسه وبشكل شبه مجاني.

ويعتقد هؤلاء الكتاب أن الرأسمالية لن تكون في نهاية الأمر قادرة على مواجهة القفزات التكنولوجية المتسارعة، التي ستقود إلى مستقبل موسوم أكثر بالمساواة والوفرة وإلى عالم (ما- بعد- الندرة) بحسب بول ماسون، وهو عالم لا تعود فيه الأسواق تعمل حقاً، وتكون فيه الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها الرأسمالية البقاء على قيد الحياة هي (استخدام التهديدات القانونية وبراءات الاختراع لاستعادة الندرة بشكل مصطنع). وبحسب باستاني في كتابه (شيوعية مترفة مؤتمتة بالكامل): (هذا التشويش التكنولوجي سوف يخلق ظروفاً مواتية لعودة الشيوعية)، لكن هذه العودة لن تتم بشكل فجائي، وإنما عن طريق صراع طبقي جديد غير تقليدي تكون فيه النظم القانونية والأفكار الجديدة هي الحقل الذي سيحصل فيه هذا الصراع، غير أن المعضلة التي تواجه هؤلاء الكتاب والتي استشرفوها من الواقع العالمي الجديد، هي بقاء دول العالم الثالث رغم التطور التكنولوجي، تحت رحمة الاستبداد، لأن الاشتراكية عبر التكنولوجيا ستؤدي إلى تركيز هائل في السلطة بحسب الاخصاصي (كريستيان نيميتز)، وهذا ماحصل فعلا في سورية. ففي عقد كانت تكنولوجيا الاتصالات وثورة المعلومات تنطلق في العالم وتحقق أرباحاً هائلة، وبسبب أسلوب الاقتصاد الريعي ضمن الخطة الخمسية العاشرة وما تلاها، بتشديدها الهوسي على السياحة والعقار اللذين لم يعودا قوة دافعة في اقتصاد العولمة، أصبح الاقتصاد السوري خارج العصر، وزاد الفساد وأسلوب التخطيط المركزي من تفاقم الهدر، وفتحت الظروف المناخية السيئة والحرب الطريق إلى تدهور الزراعة والصناعة والنظام الإيكولوجي عموماً، وترتب على المجتمع السوري أن يدفع أثماناً باهظة لفشل تجارب الحكومات السابقة على مدى العقدين الماضين، ولم يحقق عملياً المجتمع السوري من عوائد المساواة والرفاه التي يمكن أن يجنيها من التكنولوجيا شيئاً يذكر، نأخذ مثلاً أبسط الخدمات التي يمكن أن يتصورها مواطن وهي استلام راتبه من حصالة مصرف، هو أمر في غاية الصعوبة! مع ذلك يجب علينا العودة إلى جوهر الموضوع وهو أن التكنولوجيا ليست هي الغاية، وإنما ما تحققه للمجتمع من رفاه وتقدم، وأن الاستثمار الانتهازي للحكومات السورية المتعاقبة للتكنولوجيا، خاصة عبر شبكتي المحمول المحليتين في سورية_ وأقتبس هنا من كتاب ويليامز وزميله_ يجب أن تخضعا (للسيطرة الديمقراطية) باعتبارهما يملكان الحصة الأضخم من سوق المعلومات والمراقبة في سورية.

 

العدد 886 - 13/11/2019