مؤتمر ميونيخ للأمن.. أمن أوربا.. أم احتفال استعراضي لانهيار أوكرانيا؟

المهندس نزار طرابلسي | براغ – التشيك:

انعقد يومي السبت والأحد 17- 18 شباط في ميونيخ بألمانيا ما سُمّي مؤتمر ميونيخ للأمن، بمشاركة أمريكا وأوربا والصين وبعض الدول الآسيوية والإفريقية وأمريكا اللاتينية والعربية. وبحضور الممثل الاستعراضي إلى المؤتمر زيلينسكي رئيس عصابة أوكرانيا، وجرى استبعاد روسيا، لأن جوهر المؤتمر كان حول الأساليب والطرق لإعادة ضخ المال والسلاح لأوكرانيا، وتقديمها للمجتمع الدولي وداخل المؤتمر على أنها المنتصر التي ستدحر روسيا وتهزمها، ولكن الجيش الروسي وبوتين فاجأ المؤتمرين في اليوم الأول بهزيمة الجيش الأوكراني وانسحابه من أضخم مدينة استراتيجية ودفاعية في الدونباس وهي مدينة أفدييفكا، انهزم الجيش الأوكراني مخلّفاً معدّاته وعتاده وأسلحته المختلفة ومنها الثقيلة وجرحاه وبعض جنوده. وبرّر زيلينسكي ذلك في المؤتمر بأن القرار بالانسحاب اتخذ للحفاظ على أرواح المقاتلين الأوكران؟؟ كذلك طلع علينا بايدن وزيلينسكي بتصريح لتبرير الهزيمة بأن ذلك حصل نتيجة التقصير في دعم أوكرانيا بالسلاح والذخيرة؟

وتتالت التصريحات بالعزاء الاستعراضي لأوكرانيا وبالمزايدات بين الدول حول الاستمرار بالدعم العسكري لأوكرانيا لإلحاق الهزيمة بروسيا وجيشها، حتى أن المستشار الالماني شولتس حذر علناً من مخاوف انتصار بوتين الذي سيكون له انعكاسات سلبية على الناتو وأمريكا والعالم وبشكل أكبر وبكلفة أكثر من كبر وحجم الحرب الأوكرانية. وتم الايحاء الاستعراضي بشكل مضحك، في الوقت الذي كان الوجه الاستعراضي للموتمر زيلينسكي وهو يعقد الاجتماعات الثنائية مع رؤساء وزعماء الدول المشاركة للتوقيع على اتفاقيات الدعم العسكري. مع العلم أنه لم يعد في مخازن السلاح في أوربا ما تقدمه لزيلينسكي، وعلى الأرض تتكبد قواته الهزائم التي يلحقها الجيش الروسي بعصابات ومرتزقة النازية والغرب وأمريكا والجيش الأوكراني.

السؤال: عن أيّ أمن يتحدثون؟ والشعب الفلسطيني في غزة يتعرض لحرب إبادة جماعية منظمة وبدعم من أمريكا والناتو، وفي الحرب الأوكرانية يكثر البكاء على الأطلال، أما في غزة فيكثر التبرير لإسرائيل وجرائمها ومجازرها بإدراجها فيما يسمّى حق الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب. وهل يوجد إرهاب بالعالم أخطر وأشرس من إرهاب إسرائيل وأمريكا والناتو؟ لأن ما يحدث للشعب الفلسطيني من مجازر وقتل وتصفية للأطفال والنساء والمرضى والجرحى وتدمير المستشفيات لم تحدث في العالم منذ عقود. وما هي الإجراءات التي اتخذها هذا المؤتمر من أجل حماية الشعب الفلسطيني ووقف العدوان على غزة؟ النتيجة: صفر، إضافة إلى تجاهل ونسيان كل القرارات الدولية الصادرة عن الامم المتحدة بحماية الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وإعادة المهجرين وتطبيق القرارات الدولية. والمطلوب فوراً وقف العدوان وإدخال المساعدات الغذائية والطبية إلى سكان غزة المهددين بمجاعة كارثية.

إن هذه المؤتمرات الفلكلورية لا تعطي أي نتيجة، وزخمها يتلاشى بعد أيام من انعقادها والتاريخ يذكرنا بالمؤتمر الذي انعقد في تونس أثناء الحرب على سورية بحشد مماثل لهذا المؤتمر في ميونيخـ وانعقد تحت عنوان ما يسمى أصدقاء سورية، لدعم المعارضة والمجموعات التكفيرية والإرهابية في سورية، بحضور 85 وزير خارجية من مختلف بقاع الأرض، وجرت فيه الجولات الاستعراضية نفسها التي تجري الآن لدعم زيلينسكي وعصابته. والسؤال الذي يطرح ليس اليوم وإنما منذ سنين: أين ما يسمى أصدقاء سوريا اليوم؟؟ وماذا تبقّى منه؟ والعديد من الدول التي تصدرت هذا المؤتمر ومطالبتها بتدمير سورية وإركاع شعبها وفرض الحلول الأمريكية الصهيونية على المنطقة هي اليوم من الدول التي تتقرب من سورية، وأعاد بعضها العلاقات الدبلوماسية معها.

التاريخ يشهد أن ما حدث في سورية ليس هو الإرهاب الأمريكي الأوربي والصهيوني الوحيد، وأن المؤتمرات الاستعراضية لتمرير مخططاتهم لا تعدّ ولا تحصى. نذكر منها التجييش الدولي ضد العراق وما جرى فبركته في مسألة أسلحة الدمار الشامل، لتبرير شن عدوان سافر على العراق، جرى بموجبه تدمير العراق وتهجير وقتل الملايين من أبنائه، وسرقة نفطه وخيراته وتقسيمه وزرع الفتن الطائفية. والأمثلة كثيرة ومنها ما حصل من تدمير الناتو ليوغسلافيا وتقسيمها وتشتيت شعبها وزرع الفتن الطائفية والحروب الأهلية، إلى تدمير أفغانستان، ليبيا وغيرها.

ندعو الغرب والمجتمع الدولي قبل أن يفكروا في عقد مؤتمرات للأمن في العالم، أن يبدؤوا التفكير في إلغاء الكيل بمكيالين، وأن يقتنعوا قناعة تامة بحق تقرير المصير لكل شعوب العالم، وإلغاء مبدا التبعية والاستغلال، ومحاربة الإرهاب الحقيقي الذي يتمثل بضرب إرادة الشعوب والقضاء عليها، والتسلط عليها وسرقة مواردها، والاعتراف بوجود أكثر من قطب فعال سياسياً واقتصادياً في العالم، ومحو مظاهر النازية والفاشية التي عادت للأسف تظهر وتتنامى في العديد من المجتمعات اليمينية المتطرفة وخاصة في أمريكا والغرب والكيان الصهيوني. حتى يمكن الوصول إلى هذه الأهداف، ويمكن بعد ذلك الدعوة إلى مؤتمرات دولية تتشارك فيها كل دول العالم للحفاظ على الأمن وضمان أمان المواطن، وتشكيل مجتمعات وتكتلات بشرية للمساهمة في تطور وازدهار الدول وشعوبها.

وأعود وأكرّر: لن يصحّ إلا الصحيح، والنصر في النهاية للشعوب المناضلة، والهزيمة للمتغطرسين والمنافقين والمحتلين والمتطرفين.

العدد 1102 - 03/4/2024