عنف لا سابق له للمستوطنين وجنود الاحتلال في الضفة الغربية

د. ماهر الشريف:

في ظل الحرب الوحشية التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة، تزايدت أعمال الثأر التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، بدعمٍ من جنود جيش الاحتلال وحتى مشاركتهم، وذلك بعد أن شدّد هذا الجيش قبضته على الضفة الغربية، وعزّز الحواجز المقامة بين مدنها وبلداتها وقراها، وضاعف عمليات التفتيش الأمنية، بحيث بات السفر بين المدن والقرى خطيراً جداً.

(إنهم عدوانيون ومسلّحون: في الضفة الغربية يواجه الفلسطينيون ثأر المستوطنين الإسرائيليين)، هكذا عنونت صحيفة (لوباريزيان) الفرنسية المقال الذي نشرته في 22 تشرين الأول (أكتوبر) الفائت، بينما خلصت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، في افتتاحية عددها الصادر في 15 من الشهر نفسه، إلى أن (هناك وزراء في الحكومة يؤمنون بالمشروع الاستيطاني، وهم ورفاقهم في الائتلاف الحكومي يشجعون على البلطجة والسيطرة على الأرض، ويؤيدون عنف المستوطنين)، الذين وعدهم الوزير إيتمار بن غفير بتوزيع 10.000 قطعة سلاح، فضلاً عن معدّات قتالية وسترات واقية وخوذات، عليهم.

 

تزايد عمليات طرد الفلسطينيين من أراضيهم ومساكنهم

تكتب الصحافية عميرة هاس، في مقال بعنوان: (مشروع المستوطنات يحتفل بنجاحه المذهل في وسط العزاء والحزن) نشرته في صحيفة (هآرتس) في 29  تشرين الأول (أكتوبر) الفائت: (تقوم ميليشيات المستوطنين بتسريع وتوسيع هجماتها على تجمّعات رعاة الأغنام الفلسطينيين في مناطق واسعة من الضفة الغربية، وتدفع بالمزارعين إلى ترك أراضيهم ومزارعهم، وهو ما جرى أكثر من مرة، وبدعم من الجيش)، في عمليات (تهجير في وضح النهار، بهدف تنظيف كامل لنحو 60% من أراضي الضفة الغربية من سكانها الأصليين)، وتضيف أن أعضاء الميليشيات (يغلقون الطرقات التي تؤدي إلى التجمعات، ويخرّبون خزانات الماء، ويقتحمون، ويهدّدون في ساعات الليل سكان الخيام والمغر، ويطالبونهم بالرحيل، فضلاً عن أنهم يعتدون بالضرب، ويتلفون الأملاك، حتى إنهم يعتقلون بمبادرات منهم، كما يخرّبون الألواح الشمسية والمباني الزراعية).

ففي السفوح الشرقية لجبال رام الله، حيث تقيم عائلات بدوية في تجمّع يُطلق عليه اسم خربة (وادي السيق)، تأوي في مساكن من الصفيح وتعيش على رعي الأغنام، أجبرت هذه العائلات، في 12 من الشهر الفائت، على ترك مساكنها، خلال ساعة، والانتقال للإقامة في خيام مؤقتة، بعد أن قام عشرات المستوطنين، برفقة جنود إسرائيليين، بطردها من أرضها: (لقد كانت حركة تهجير سكاني قسرية صغيرة وغير مرئية تقريباً: 180 بدوياً فلسطينياً يقودون 1700 حيوان ماعز عبر التلال إلى أول مدينة ترحب بهم؛ إن مصيرهم لا يهمّ في إسرائيل، أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن عيونهم مثبتة على غزة تحت القصف، وليس لديهم سوى القليل من الوقت للشفقة على هؤلاء الإخوة البائسين)، هكذا وصف مراسل صحيفة (لوموند) الباريسية عملية طرد هذه العائلات من أراضيها، كما وصف كيف أن عبد كعابنة، أحد أفراد هذا التجمّع، (غادر سيراً على الأقدام، ولم يحمل سوى قميصه على ظهره وقبعة من القماش ومعه زوجته وأطفالهما وماعزهما، وهجر مسكنه وممتلكاته)، ونقل عنه قوله: (عشنا من جديد قصة أجدادنا)، أي قصة النكبة. أما وكالة فرانس برس، فتنقل عن علياء مليحات، وهي من سكان قرية (المعراجات) البدوية، الواقعة بين رام الله وأريحا، قولها، وهي تشعر بالقلق من أن يكون تجمّعهم البدوي هو التالي على قائمة المستوطنين:

(لم يعد في إمكاننا النوم، إنه كابوس.. فمع الحرب، نرى أن المستوطنين أصبح لديهم المزيد من الأسلحة؛ الأمر صعب للغاية، ونحن نتساءل عما سيحدث). وبحسب المتحدث باسم منظمة (بتسيلم) الحقوقية الإسرائيلية، درور سادوت، فإنه (منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، أُجبر ما لا يقل عن سكان 13 تجمّعاً على الفرار)، إثر تعرضهم لهجوم المستوطنين، بينما أشار (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إلى (اضطرار 607 أشخاص إلى مغادرة أراضيهم في الضفة الغربية منذ هجمات حماس؛ وفي كثير من الحالات، تتم عمليات الطرد هذه بمباركة الجيش الإسرائيلي، الذي يسمح للمستوطنين بفعل ذلك أو يقدم لهم المساعدة). وقد أبلغ العديد من المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان عن حالات عديدة لقرى تم إخلاؤها من سكانها تحت ضغط المستوطنين، كما هو الحال في خربة سوسيا وخربة زنوتا وخربة عنيزان في محافظة الخليل. من ناحية أخرى، أدت أعمال العنف التي ارتكبها المستوطنون، في التاسع من الشهر الفائت، إلى طرد جميع عائلات خربة (القانوب)، الواقعة شمال مدينة الخليل بالقرب من مستوطنتي (معاليه عاموس) و(أسفر)، وقال سكان القرية إن المستوطنين أحرقوا ثلاثة مساكن– مصنوعة من قضبان حديدية مغطاة بقماش سميك– وفي داخلها جميع ممتلكاتهم. فبحسب أبو جمال، وهو أحد سكان الخربة: (جاء المستوطنون علينا وأمسكوني وأخبروني أن أمامنا ساعة واحدة لمغادرة الخربة، ثم وصل نحو عشرة مستوطنين، وسكبوا البنزين وأشعلوا النار في مسكني، حيث يعيش سبعة أشخاص، فاشتعلت النيران في الخزائن والطعام، كما أحرقوا مسكن ابني وسرقوا كل غنمي، مصدر رزقي؛ لن نعود إلى هناك، عمري 67 سنة وأبنائي يعانون من صدمة نفسية). أما(وعد)، من سكان الخربة، فأخذت أطفالها واختبأت في أحد الأودية القريبة، وتقول: (لدي أطفال، طفل يبلغ من العمر 6 أشهر، وطفل يبلغ من العمر عامين، وطفل يبلغ من العمر 5 سنوات؛ هربت واختبأت معهم في الوادي عندما دخل المستوطنون، سمعت صوت إطلاق نار واعتقدت أنهم قتلوا زوجي، وعندما غادروا رأيت أنهم قد أحرقوا كل ما كان لنا). وفي منطقة جبلية جنوب الخليل، هاجم المستوطنون بعنف سكان خربة (سمري)، وقاموا بجرف مسكنين واعتدوا على سكان الخربة، إذ قال أحد هؤلاء السكان المسنين، الذي دخل المستشفى مصاباً بجروح في الظهر والساق، والذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من انتقام المستوطنين منه: (جاء ثلاثة مستوطنين، أحدهما بسلاح، والثاني ببندقية، والثالث بسكين، وطلبوا مني أن أصمت وبدؤوا في ضربي بكعب البندقية؛ لقد أسقطوني على الأرض، وأغلقوا باب المنزل في وجوه الأطفال، كما ضربوا زوجتي على صدرها، وقالوا لي إنها حرب الآن، وإنني إذا قلت أي شيء لوسائل الإعلام، فسوف يعودون ليلاً ويحرقون منزلي؛ صرخت فيهم بأنني راعي غنم، ولا علاقة لي بالحرب في غزة).

 

تصاعد عمليات قتل الفلسطينيين والفلسطينيات

بالتوازي مع عمليات التهجير القسري، تصاعدت عمليات قتل الفلسطينيين والفلسطينيات التي تنقل وقائعها وسائل الإعلام. ففي 11 تشرين الأول (أكتوبر) قّتل بلال أبو صلاح (40 عاماً)، بالرصاص على يد مستوطن إسرائيلي في قرية الساوية، بينما كان يقطف الزيتون مع أفراد آخرين من عائلته في أرضهم الواقعة على مقربة من السياج الأمني لمستوطنة إسرائيلية، وأوضح عضو مجلس القرية أنهم (تعرضوا للاعتداء من قبل أربعة مستوطنين، وقام أحدهم بإطلاق النار عليهم مسلحاً ببندقية M16 من دون سابق إنذار، فأصيب أبو صلاح في صدره واستشهد أمام أهله وأطفاله). وفي 19 من الشهر نفسه، استشهد محمد فواقة، خلال مواجهات مع مستوطنين إسرائيليين هاجموا قرية دورا القرع شمال مدينة رام الله. واستشهد روحي رشيد صوافطة (70 عاماً)، متأثرا بإصابته برصاصة في الوجه خلال توغل جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة طوباس، كما أصيب تسعة فلسطينيين، اثنان منهم في حالة خطيرة، خلال مواجهات مع القوة الإسرائيلية التي نفذت عملية التوغل. وفي مساء الخميس 12 تشرين الأول (أكتوبر)، بالقرب من يبرود، شمال شرق مدينة رام الله، أطلق جنود الاحتلال النار على سيارة تقل عائلة فلسطينية، ما أدى إلى استشهاد رندة عبد الله عبد العزيز عجاج (37 عاماً)، وإصابة ابنها إسماعيل عجاج في قدمه وكتفه. وقتل خمسة شبان فلسطينيين، تتراوح أعمارهم بين 29 و35 عاماً، يوم الاثنين في 30 من الشهر نفسه، في خلال عدة توغلات لجيش الاحتلال في مخيم عسكر في نابلس، وفي بيت ريما شمال غرب رام الله، وفي مخيم الدهيشة في بيت لحم وفي طمون شمال جنين. ويستشهد مراسل صحيفة (لوفيغارو) بصورة نشرتها صحيفة (هآرتس) لحادثة تعدٍّ على الفلسطينيين وقعت، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر)، في منطقة (وادي السيق)، فيكتب: (نرى ثلاثة رجال نصف عراة، معصوبي الأعين، وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، فقد احتجزهم المستوطنون والجنود الإسرائيليون لعدة ساعات وقاموا بضربهم والتبول عليهم وإحراقهم بالسجائر)، وقيل (إن هذا الحادث من تنفيذ وحدة الصحراء (سفر حميدبار)، التي تقوم بتجنيد قواتها من بين أفراد (شبان التلال) المتطرفين.

 

هجوم المستوطنين على قرية قصرة

من الأمثلة المرعبة على هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، ما وقع في قرية قصرة بالقرب من نابلس في يوم الأربعاء في 11 من الشهر الفائت، عندما هاجم مستوطنون ملثمون القرية وأطلقوا نيران أسلحتهم على منازل سكانها، وقد أظهر مقطع فيديو ستة رجال ملثمين مسلحين بمسدسات وبنادق إم 16، وهم يفتحون النار داخل القرية، ما تسبب في قتل ثلاثة شبان فلسطينيين وجرح فتاة في السادسة من العمر بطلقة نارية، كما قُتل أحد السكان الآخرين، وهو حسن أبو سرور، البالغ من العمر 13 عاماً، بالرصاص عندما دخل الجنود القرية بعد انسحاب المستوطنين. وبحسب وسائل إعلام، هاجم المستوطنون، في اليوم التالي، جنازة الشهداء الأربعة، وقتلوا بالرصاص الأب والابن إبراهيم وأحمد وادي. وكان المستوطنون في البؤرة الاستيطانية (إيش كوديش) وما حولها قد أرسلوا رسائل تحذيرية إلى سكان قصرة، يهددون فيها بالانتقام رداً على هجوم (حماس) في جنوب إسرائيل، إذ شوهد، في صورة أرسلت إلى السكان قبل بضعة أيام من مهاجمة القرية، (مجموعة من الرجال الملثمين يحملون خزانات وقود ومنشاراً كهربائياً وفؤوساً، مع تعليق باللغتين العبرية والعربية، ورد فيه: إلى جميع فئران المجاري من قرية قصرة، نحن نراقبكم ولن نشفق عليكم؛ يوم الانتقام قادم).

 

الفلسطينيون يتصدّون لجنود الاحتلال ومستوطنيه

على الرغم من هذا العنف الصهيوني الذي لا سابق له، يواصل الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة ببسالة تصديهم لتوغلات المستوطنين وجنود الاحتلال. فقد ذكر بيان صادر عن الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي (أن جندياً إسرائيلياً قُتل، وأصيب 9 جنود آخرين بجروح في اشتباكات عنيفة مع مسلحين فلسطينيين وقعت في مخيم نور شمس للاجئين الفلسطينيين، بالقرب من مدينة طولكرم)، وذلك إثر قيام جنود الاحتلال، في 19 تشرين الأول (أكتوبر) الفائت، باقتحام المخيم وشن غارة عليه بواسطة طائرة مسيّرة، وهو ما أسفر عن استشهاد 12 فلسطينياً، كما استشهد 3 فلسطينيين آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي في اشتباكات وقعت في ذلك اليوم في أماكن أُخرى في الضفة الغربية. وتعليقاً على هذه الاشتباكات، قالت مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى إن مناطق الضفة الغربية (شهدت في الأيام الأخيرة تصعيداً في الاشتباكات بين قوات الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين، وكذلك العديد من محاولات تنفيذ هجمات فلسطينية). وفي صباح يوم الاثنين في 30 من الشهر نفسه، استشهد 4 فلسطينيين في مخيم جنين أثناء تصديهم لعملية توغل للجيش الإسرائيلي في المخيم استخدم خلالها كذلك طائرة مسيّرة.

 

خاتمة

تشير التقديرات إلى أن عدد شهداء العنف الذي يرتكبه المستوطنون وجنود الاحتلال في الضفة الغربية وصل، منذ السابع من الشهر الفائت حتى الآن، إلى نحو 140، فضلاً عن مئات الجرحى والمعتقلين. ويجمع المحللون على أن هذا العنف لم يبلغ هذا المستوى الذي لا سابق له لولا الدعم الحكومي للميليشيات الصهيونية القومية المتطرفة، التي تستغل الحرب العدوانية على قطاع غزة لتصعيد عنفها، وهو ما جعل بعض الأوساط في إسرائيل نفسها تحذر من عواقب استمرار هذه الظاهرة وتفاقمها، إذ نبهت صحيفة (هآرتس)، في افتتاحية عددها الصادر اليوم الخميس (2 تشرين الثاني (نوفمبر)، إلى أن أعمال المستوطنين يمكن أن (تشعل) الضفة الغربية، معتبرة أن (أي رئيس حكومة ملتزم بانتظام دولة إسرائيل، كان سيطرد الكهانيين والأبارتهايديين المسيانيين من حكومته، من أمثال سموتريتش وإيتمار بن غفير ورفاقهما، ويوضح للمستوطنين أن إسرائيل لن تتساهل معهم)، مقدّرة أن حكومة بنيامين نتنياهو إن لم تسارع (فوراً إلى الرد بقوة على أعمال المستوطنين في المناطق [المحتلة]، فإنها ستكون قد وقّعت على كارثة أُخرى، ستُضاف إلى قائمة تقصيراتها).

العدد 1112 - 26/6/2024