خروج مذّل

د. صياح فرحان عزام:

لقد أشرنا سابقاً إلى السلوك الفرنسي تجاه الانقلاب الذي حدث في النيجر، والذي تميز بالعناد والمكابرة والتحريض ضد ذلك الانقلاب، لدرجة التهديد بالتدخل العسكري لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، حتى أن السفير الفرنسي اعتصم في السفارة إلى أن أخرج منها بالقوة في مشهد مذّل له ولحكومة بلاده.

مؤخراً لم تستمر هذه المقاومة، قبل ماكرون ورضخ لمطالبة النظام الجديد بانسحاب القوات الفرنسية من النيجر، وكذلك بسحب السفير الفرنسي منها، واتخذ قراراً يوم 23/9/2023 بإنهاء التعاون العسكري مع النيجر.

جدير بالذكر أن ماكرون ماطل في انسحاب قواته، حيث كانت ينتظر أن تتمكن دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب  إفريقيا (إيكواس) من اتخاذ قرار بالتدخل العسكري لاستعادة السلطة من العسكريين كما وعدت، لكن هذا الرهان سقط بعدما تراجعت المجموعة المذكورة عن قرارها، بسبب كلفة التدخل الباهظة على دول المنطقة، وإعلان كل من مالي وبوركينا فاسو دعمهما للمجلس العسكري الجديد، وإرسال طائرات حربية لدعم القوات النيجيرية، وبالتالي اضطر ماكرون إلى حسم أمره واتخاذ قرار مغادرة قواته المسلحة البالغ عددها أكثر من 1500 جندي قبل نهاية العام الجاري.

هذا وقد رحب المجلس العسكري في النيجر بقرار ماكرون، معتبراً أن هذا القرار يشكل (لحظة تاريخية وخطوة جديدة باتجاه السيادة، ويؤكد على تصميم شعب النيجر وإرادته الحرة)، كما أشار المجلس أيضاً إلى (أن أي شخص أو مؤسسة أو كيان يهدد وجوده مصالح النيجر سيتعين عليه مغادرة أرض أجدادنا شاء ذلك أم أبى).

وكانت العاصمة نيامي قد شهدت تظاهرات شعبية يومية أمام السفارة الفرنسية، ومقر القاعدة العسكرية الفرنسية للمطالبة برحيلهما عن البلاد بأقصى سرعة.

وهكذا فإن فرنسا بقرارها الانسحاب من النيجر تطوي فترة استعمارية طويلة استمرت منذ عام 1922 حتى نالت النيجر استقلالها عام 1960، لكن فرنسا بقيت تمسك بمفاتيح السلطة من خلال تنصيب الرؤساء من ذلك الحين، إلى جانب سيطرتها التامة على ثروات البلاد عبر شركاتها المتعددة وخصوصاً نهبها للذهب واليورانيوم والنفط، بينما الشعب في النيجر والذي يبلغ تعداده 25 مليون نسمة محروم منها ويعاني فقراً مدقعاً.

وهذا يعني بوضوح أن النيجر خرجت من تحت العباءة الفرنسية والغربية، مثلها مثل الكثير من الدول الإفريقية التي أصبحت تفضل العلاقات مع روسيا والصين، لأنهما لا تفرضان شروطاً سياسياً على الدول، ولا تتدخلان بالشؤون الداخلية، إلى جانب أنهما توفران مساعدات اقتصادية وعسكرية أقل كلفة، إن لم تكن مجانية.

لقد كانت النيجر تمثل آخر معقل للقوات الفرنسية التي سبق وأن خرجت من مالي، والتي وجدت بذريعة محاربة الإرهاب، وخاصة في منطقة الساحل الإفريقي، علماً بأن هذه القوات فشلت في مهامها، بدليل استمرار الإرهاب وتمدده واتساع رقعة وجوده، وبالتالي فإن وجود قوات فرنسية لهذا الغرض بات يشكل عبئاً ثقيلاً على دول الساحل الإفريقي، بل أخذ يتحول إلى شكل من أشكال الاستعمار المباشر لاسيما من خلال وجود القواعد العسكرية.

صحيفة لوباريزيان الفرنسية أشارت إلى أن النيجر هي آخر معقل للوجود العسكري الفرنسي، وبمغادرتها ستطوى الصفحة في منطقة الساحل الإفريقي.

باختصار.. تدخل إفريقيا مرحلة تحول جديدة أشبه بمرحلة الستينيات في غمرة تصاعد حركة التحرر الوطني ونضال الدول الإفريقية لنيل استقلالها.

العدد 1096 - 21/2/2024