اللامبالاة وغريشام

الدكتور سنان علي ديب:

ليست رواية كولن ويلسون (اللامبالاة)، التي قد تكون سلوكاً وخياراً شخصياً لتجاوز الأشخاص أو الظروف الصعبة، أو كنوع من الابتعاد لتهدئة الأمور والحل العقلاني لبعض المشاكل، ولكنها للأسف ظنناها خياراً ضرورياً لحتمية نهايتها النور بعد ظلام كبير، ولكنها وجدت أنها خيار أناني أو نوعاً من الاصطفاء الطبيعي الذي من خلاله طبّق قانون غريشام وفحواه: العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة لتسود وتميد ولتذيب الصبر وحتى لوكان فولاذاً أو حديداً.

الاستخفاف بالكفاءات وتحييدها وتطفيشها لم يعد استثناء أو جهل وغباء وإنما للأسف هو خيار في أغلب المجالات، فما أسهل من صناعة أشباه كل شيء وخلقها: الاقتصادي، الإعلامي، الكاتب، السياسي، المحلّل، الشاعر… مؤكد إلا الإبداع فخلقه وتسويقه صعب لهؤلاء الصناع، والمأساة أن هذه المنتجات تعقد المشاكل وتطيل أمد الحلول وتقوّض الإصلاح.

فكم من أمّيّ أو أمّية تصدّروا الشاشات والمنابر، وللأسف من يساندهم مؤكد مهما علا اسمه قزم وصغير، وتعدّد المواهب واكتساب الالقاب هواية وغيرة واستخفاف.

المهم ما شجعني لهذه المقالة رواية مميزة لصديقة تطرقت فيها لشخص سرق جهود وإبداعات كاتبة وروائية وشاعرة ووضعها في دار العجزة، وجعله الإعلام أسطورة وشخصية الصالونات، وتحوّل من حلاق نسائي إلى أسطورة، ولكن رجولة الموقف وجّهت البعض فأعاد الحقّ للأصيلة قبل موتها.

المهم من قبل الحرب بسنوات نكتب ونحاول ونجري اللقاءات، وكثرٌ من يستخفّون ويقلّلون ويحزنون ماذا تجنون؟ وجوابنا: التكرار يعني الإصرار، وكثير من الرؤى أُخذ بها، فهناك من يهتم وهناك من يضلل حتى خلال الحرب كثر تحسّسوا وكثر عرقلوا وحرضوا، وفي الفترة الاخيرة زادوا جهودهم فوجدوا صغاراً لا يعنيهم إلا أنانيتهم ومكاسبهم، ووضعوا حواجز أمام شخصيات كثيرة طالما ابدعت وانجزت وشخصت، ولكن للأسف أصبحوا أعداء وأصبحوا عوائق وكاشفي خطط من تشمّع بالحرب، فأكثروا من أدوات الإقصاء وعادوا إلى أشباه ومنتحلي صفات، حتى أصبح إطلاق التصريحات والرؤى بلا قيود وبلا محاسبة وبلا مبالاة، وهذه اللامبالاة أثمرت عراقيل. من فترة كنا في جلسة ونتكلم عن سعر الصرف، فأتى شخص لا نعرف عنه شيئاً، دهّان أو صوّاج أو رقّاص فأدلى بدلوه: سعر الصرف يجب أن يكون أضعافاً. وسألناه: أعطنا مبرّراً! فسحبه أحد العقلاء ولكن حتى من يفضلون مصالحهم ويضغطون على البلد بالإرهاب الاقتصادي كثيراً ما كرّروها، وكثر ممّن جُنّدوا لمصالح وغيّروا مواقفهم التي صرحوا بها، فأصبح لا مبالاة ولا محاسبة للتصريحات والقرارات الخاطئة ولو أنها توهن النفوس، وكل قرار غير واقعي وغير منطقي بحاجة لاحقاً إلى عشرة قرارات لتصويب نتائجه إن اتخذ بأسلوب الصدمة أو التجريب. قلت كثرت المقالات والرؤى الاقتصادية بعد قانون الجرائم الإلكترونية، وصدحت منابر مجلس الشعب وفضاءاته بانتقادات اقوى وألذع وأكثر قوة ومضاعفة مما كانت تطالب به الأقلام، ويبقى السؤال: هل سيردّ عليها أم مصيرها اللامبالاة؟!

وآخرها أحد الأعضاء صرّح بها لم يعد يكترث الشعب لما يعاني ولكنه منضغط ومنزعج من اللامبالاة.

فهل ستستمر اللامبالاة ويصحّر قانون غريشام الإبداع والمبادرات، أم سيسارع العقلاء لحلول متسارعة في مفترق طرق عالمي كنا من أمهر من يلعب في هوامشه.

 

العدد 1112 - 26/6/2024