ما بين الداعم والمدعوم

الدكتور سنان علي ديب:

رغم أن قصة الدعم ورفعه أو توزيعه أو إيصاله إلى مستحقيه لم تنقطع عن الإعلام من أيام حكومات ما قبل الحرب إلى اليوم، وكانت متصدرة دوماً إلا في بدايتها حتى يهيأ المسلسل لتدمير ممنهج واقتطاع أراضي تحوي أغلب ثرواتنا وتسهيل تهريب العملة الصعبة والذهب، وتذويب أرصدة السوريين وسرقة المحاصيل وحرق الأراضي وتسعير الشعب السوري بالداخل والخارج، ولكنه عاد ليتصدر مع الانتقال من الحرب الإرهابية العسكرية إلى الحرب الاقتصادية التي اختصرت بعقوبات وحصار ولعب بسعر الصرف وفوضى أسعار وإضعاف لمؤسسات الدولة ومحاولة وهنها لوهن الدولة والعلاقة بينها وبين المواطن.

المهم، ظلت الرؤية واضحة وصريحة السير باتجاه رفع الدعم وإيصاله إلى مستحقيه، علماً أن أسلوب الدعم موجود بكل دول العالم ومنها من تقود العالم بهذا الاتجاه عبر وضع برامج اقتصادية يجب تنفيذها كإملاءات، والغاية منها إضعاف مناعة الدول وحصانتها عبر إضعاف مؤسساتها، وبالتالي تعريتها وكشفها لتقبل أي أزمة وجعلها عرضة لكل الأمراض وضرب استقلالها واستقلالية تنميتها، وتنمية قوى وركائز تابعة للقيادة العالمية منقطعة مع الوطن ومتطلباته ومع آلام المواطن.

كثيرة هي الدول التي قبلت هذه البرامج، ولكنها ناورت بهوامش أفشلت جزءاً كبيراً مما خطّط له، وامتصت السلبيات عبر تجهيز برنامج كامل متكامل وعبر احتواء الاختلافات وعبر جعل الإعلام منبراً للحوارات البناءة الهادفة لحماية الوطن والمواطن.

ونحن من تلك البلدان التي طالما فشلت كل الخطط بتنوع فرضها بالخيار والاختيار، إما بأسلوب الصدمة بالترغيب أم بالترهيب لندور بالدائرة نفسها، وتنعكس سلبيتها على المواطن الذي صمد وصبر وقدم الأغلى للوطن ويشعر جزء كبير منهم أن هذا النهج عقوبة لهم ولوهنهم وليجعلهم يغيروا مواقفهم.

المهم منذ شهور الخطاب الرسمي المختزل ببعض المسؤولين يكاد لا يخلو من عدم رفع الدعم وإنما إيصاله إلى مستحقيه وسط ترغيب بنوع وطريقة وآلية توزيع جزء من الفوائض المتحققة وسط تعجب أغلب المختصين من حجم الأموال التي صرح بها وزراء مختلفون، بحيث لو جمعت بين ٣٣٠٠ مليار للكهرباء وللخبز حوالي ١٨٠٠ وللصحة والتعليم، لزاد المبلغ عن حجم الموازنة التي ضخم بها الرقم ليكون ٥٥٠٠ مليار، وهو رقم تنبّئي غير فعلي، وبالتالي الخطاب التضخيمي هو الغالب مرفقاً بمعايير بعيدة عن الواقعية والعدالة تتعلق بامتلاك سيارة بمواصفات معينة أو سجل تجاري من فئات معينة أو وظيفة معينة أو سفر خارج القطر.

المهم تدل رؤيتهم على حجم المدخول، وعلى ضرورة وجود المتلقي داخل البلد وهي رؤية صحيحة، ولكنها يجب أن تكون متكاملة ودقيقة التنفيذ، فكلنا يعرف مدى التضخم والمبالغ الواجبة لتلامس أدنى درجات الطبقة الوسطى التي تقدر بين ١.٥ و ١.٨ مليون وامتلاك بعض الاشياء قد يقلله، وبالتالي ما هي رؤية الدخل الواجب توفره ليرفع الدعم؟ وماهي الطريقة الصحيحة لعدالة التنفيذ؟ الذي حصل أنه منذ شهور يصرح المسؤولون بجاهزية البيانات والاستعداد لتطبيقها من دون التصريح بالطرف الآخر من المعادلة، وهي تعويض السوق التي تعاني من الركود التضخمي وعدم بث الفوضى المؤدية لقطع جهود التعافي، وفوجئ أغلب المواطنين برسائل سحب الدعم وأهمها عن الخبز الذي هو خط أحمر، وفوجئ كثر بضرورة دفع السعر الجديد الذي تصدّر أحد المسؤولين المنوط به تهدئة حقيقية ليقول ما زال الخبز مدعوماً.

للأسف عدم تدقيق البيانات والأخذ بها فرادى يتحمل مسؤوليتها طرف وليس الوزارات التي أرسلت الوثائق، ودخل المواطنون دوامة الحصول على الوثائق.

ثانياً- إن البطاقات التي صدرت لمسافرين منذ زمن أو للمتوفين مسؤولية من أصدر البطاقات ولا تُحمّل لكل المواطنين.

المهم أن مجلس الشعب رفض بالإجماع القرار وطالب بإلغائه، وهذا يعني بأنه غير شرعي، إضافة إلى أنه غير دستوري بسبب تأثيره على العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروة.

المهم اعترف وزير المستهلك بالخطأ الذي تتحمله وزارات ومؤسسات كثيرة وليس هو فقط.

والسؤال: خطأ بحجم وطن من يحاسبهم؟ ومن يتابع إصلاحه؟ أم اعترفوا ليستمروا؟!

ثانياً_ كثر تحدثوا عن الاحتكار والمحاصصة وعن التشاركية والتنافسية وما توفره من أموال تفوق حجم الدعم وحجم الضرائب التي يدعم بها المواطن البلد.

أسلوب الصدمة بحاجة إلى حرفنة وبحاجة إلى ظروف مستقرة وليس إلى بلد محتل ومسلوب الثروات.

كل خطة باتجاه واحد سيكون تأثيرها سلبياً كما وجدنا.

الأهم علاج الانعكاسات وأثرها على نفسيات المواطنين وتماسك البلد الذي لم يتركوا أسلوباً إلا مارسوه لفرض أجندات خارجية واضحة الغاية والهدف.

الحل واجب بكل الجهات وهو العلاج الأقوم، ونملك أغلب مقومات جعله داخلياً حقيقياً.

أهم مداخل الحل وركن من أركانه هو الإصلاح الإداري المنطلق من سياسة تعيينات صحيحة، للانطلاق ببرنامج وطني واضع الغايات والأهداف بتزامن مع حل سياسي داخلي جامع.. يجمع الداعم والمدعوم ليشكلوا سوراً داعماً للوطن والمواطن.

والأمل بالله وبسوريتنا كبير.

 

العدد 1112 - 26/6/2024