أخطر محاضرة في التاريخ تكشف ما يجري في منطقتنا

د. صياح فرحان عزام:

نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقالة مهمة تبين بوضوح ألغاز ما يجري في المنطقة العربية والمخططات التي توضع ضدها.

المقالة تتحدث عن محاضرة ألقاها البروفسور ماكس مانوراينج (خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأمريكية)، علماً بأن المحاضرة ألقيت في الكيان الصهيوني بتاريخ 1/12/2018، وحضرها كبار الضباط من حلف الناتو والجيش الصهيوني.

استهل المحاضر محاضرته قائلاً إن أسلوب الحروب التقليدية صار قديماً، والجديد هو الجيل الرابع من الحرب، تابع القول حرفياً:

(ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم أو الدول، أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو (الإنهاك- التآكل البطيء)، لكن بثبات، فهدفنا هو إرغام العدو على الرضوخ لإرادتنا.. الهدف هو زعزعة الاستقرار، وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة، وهنا نستطيع التحكم، وهذه العملية تنفذ بخطوات بطيئة وبهدوء، وبالتالي يستيقظ عدوك (ميتاً).

إن هذه المحاضرة وصفت بأنها أخطر محاضرة في التاريخ الحديث، لأنها توضح كل ما جرى ويجري من حروب وصراعات مسلحة في المنطقة العربية خاصة والعالم الإسلامي بشكل عام.

وأكثر ما يلفت الانتباه في المحاضرة، عبارة (الإنهاك والتآكل البطيء)، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا لا يتم الإنهاك السريع بدلاً من التآكل الهادئ والبطيء؟ هذا هو الجزء الأخطر في المحاضرة. فمعنى التآكل البطيء يعني خراباً متدرجاً للمدن وتحويل الناس إلى قطعان هائمة، وشل قدرة البلد العدو على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، بل تحويل نقص هذه الحاجات إلى وجه آخر من وجوه الحرب، وهو عمل مدروس ومنظم بدقة متناهية.

البروفسور المذكور ليس خبيراً في الجيل الرابع فحسب، بل هو ضابط مخابرات سابق، ثم إنه لا يلقي المحاضرة في روضة أطفال ولا في مركز ثقافي، بل لخبراء كبار في حلف الناتو والكيان الصهيوني، ومكان الإلقاء إسرائيل.

وفي عبارة لافتة في المحاضرة يقول بكل صلف ووقاحة مخاطباً الجنرالات: (في مثل هذا النوع من الحروب قد تشاهدون أطفالاً قتلى أو كبار السن أو نساء، فلا تنزعجوا من ذلك! علينا المضي مباشرة نحو الهدف..)، بمعنى لا تتركوا مشاعركم أمام هذه المشاهد تحول دون تحقيق الهدف. إن هذا الأسلوب طبق وما يزال يطبق في العراق وسورية واليمن وليبيا وربما اقتصادياً في لبنان.. وغداً لا أحد يدري من سيكون عليه الدور.. وهناك سؤال أكثر أهمية لماذا الإنهاك والتآكل البطيء بدلاً من إسقاط الدولة مرة واحدة؟

والجواب على النحو التالي: إن استراتيجية الإنهاك تعني نقل الحرب من جبهة إلى أخرى واستنزاف كل قدرات الدولة العدو على مراحل متباعدة، وجعل (الدولة العدو) تقاتل على جبهات متعددة، ومحاصرتها بضباع محليين من كل الجهات، والتخطيط المستمر لتسخين جبهة وتهدئة جبهة أخرى، أي استمرار إدارة الأزمة وليس حلها.

ويمضي هذا البروفسور قائلاً: إن الانهيار السريع يمكن أن يبقي على كثير من مؤسسات ومقومات الدولة والمجتمع، وبالتالي فالتآكل البطيء بهدوء وثبات عبر سنوات من خلال محاربين (محليين شرسين وأشرار) بصرف النظر عن وقوع ضحايا أبرياء، أهم من كل شيء، أي محو الدولة والمجتمع عبر عملية طويلة.

لا شك بأن هذا المخطط الجهمني الذي يعترفون به علناً وبكل وقاحة، هو الذي نراه يطبق بحذافيره في سورية واليمن وليبيا والعراق وليبيا تحت شعارات صاخبة من حقوق الإنسان، إلى الحرص على الديمقراطية، إلى الحرب على الإرهاب، إلى مساعدة الشعوب على التنمية.. إلخ.

فهل عرفنا الآن لماذا تتبع أمريكا وحلفاؤها أسلوب إدارة الأزمة بدلاً من حلها؟ وكيف يخططون ليظل النزاع بل الاقتتال مستمراً بين الدول وفي المجتمعات من أجل الهيمنة على مقدرات الشعوب ونهب خيراتها وتحويلها إلى تابعين لا حول لهم ولا قوة؟ ليت العرب يدركون هذا الخطر قبل فوات الأوان.

 

العدد 987 - 30/11/2021