المثقف وآفاق الحل السياسي السلمي لأزمات المنطقة

إبراهيم الحامد:

إن اليقظة الفكرية والثقافية ثغرة ضوء في نفق مظلم تحدث رداً وتداركاً لأزمات ومآسٍ إنسانية من فعل الإنسان نفسه أو الطبيعة، وتلك هي مهمة ووظيفة تنويرية واجبة على عاتق المفكرين والعلماء والمثقفين، من أجل المساهمة في نضوج الفكر الإنساني، وتحسين ممارساته نحو التقدم الاجتماعي الأكثر عدلاً واستمرارية، إلا إن البعض الذي ينطلق من المنظور الشخصي أو الفئوي الضيق، هو سبب في المآسي الإنسانية، بإنتاجه ثقافة مادية مدمرة كالحروب وأدواتها من جهة، ونظريات ومخططات وصراعات فئوية ضيقة، تتسبب بتصدع المجتمع البشري وتشظيه إلى ملل ونحل قومية ودينية وطائفية وقبلية متصارعة من جهة أخرى، وتقسم المجتمع البشري إلى طبقتين اجتماعيتين: طبقة غنية جداً لا تتجاوز 20% وتستولي على 80% من الثروة، إلا أنها متماسكة رغم اختلافها باللغة والدين والطائفة، والأخرى فقيرة جداً تتجاوز 80 بالمئة ولا تملك إلا 20 بالمئة من الثروة، لكنها متشرذمة ومتصارعة بسبب الاختلاف القومي والديني والطائفي.

ما يخص الجزء الأول من العنوان يمكن القول: في أكثر المراحل التاريخية، التي أدخلت المجتمع البشري أزمات عميقة ومركبة، نجد من يثير النقاش حول النخبة المثقفة ودورها الوظيفي والبحثي لحل الأزمات في المجتمع، وذلك من خلال عناوين على بطاقات الدعوة لحضور الندوات أو حوارات، وتلك هي إشارة وإثبات على أهمية المثقف ودوره الوظيفي المهم في بناء المجتمع – وإن كانت تلك النشاطات توظف لمرحلة مؤقتة – يستثمرها أطراف سياسية وحزبية بموقع السلطة من أجل حل قضايا مستعصية الحل عليها، ولتجعل بذلك المثقف والثقافة أدوات مرحلية مؤقتة، تستخدم معه أسلوب الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، فتدفع بالمثقف الرافض للإغراءات إلى التخفي خلف غموض وطلاسم نصوصه الأدبية ومقالاته النظرية ليعيش نرجسية مغلقة يلتف حوله جزء من المجتمع وخاصة العائلات الارستقراطية التي تتقن الترفيه الثقافي بعيداً عن بلاط السلاطين، وأما المثقف الملتزم بقضايا المجتمع العامة وحقوقه، الذي لا يرضخ لأساليب الترغيب المادية والمعنوية، فيتعرض للقمع أو السجن أو النفي.

وأما بخصوص مهمة المثقف الوظيفية والحقيقية في المجتمع فتتحدد بناءً على طبيعة نشاطه وعمله وبيئته، فكل إنسان يمتلك سلوكيات ومهارات تكسبه ثقافة خاصة تتناسب مع نوع نشاطه وعمله وبيئته، فحسب ماركس (لكل نمط من المعيشة نمط من التفكير). والفكر هو أس الثقافة، والمثقف الذي قصدته في العنوان هو: الإنسان الثوري الضليع بقراءة وفهم سيرورة وحركة تطور المجتمع البشري واحتياجاته المعاصرة، ويعمل لتغيير نمط المجتمع المعيشي تغييراً جذرياً تقدمياً، يلبي احتياجات وحقوق الإنسان المعاصر، ليمهد بذلك أرضية تسودها العدالة الاجتماعية، لأن مهمة المثقف الحقيقية هي بناء وتربية الإنسان وتشذيب ذهنيته ليتناسب وينسجم مع النمط المعيشي وقيم وأخلاق المجتمع الإنساني السليم، الذي يفرز إدارة (سلطة) مفيدة ونافعة تدير شؤن المجتمع وتنظم العلاقة فيما بين أفراده من جهة، وفيما بين مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع الجماعية والفردية من جهة أخرى، لأن المثقف وقتئذٍ يقوم بقراءة الواقع الاجتماعي البشري، ويكشف أمراضه وما يعيق تطوره، ويضع حلولاً ناجعة لمعالجتها، ولا شك أن للبيئة دوراً مهماً في إكساب كل فرد في المجتمع نمطاً سلوكياً وثقافياً، إلا أن للنظام الاقتصادي والمعيشي السائد الدور الأكبر في إكساب الفرد سلوكاً وثقافة قد يكون إيجابياص أو سلبياص اتجاه مجتمعه وبلده، فكلما كان النظام الاقتصادي عادلاً كانت السلوكيات والأنماط المعيشية ستكون رافعة للتطور والتقدم الاجتماعي، لأن وجود الفروقات المعيشية فيما بين أفراد المجتمع الواحد، ستنتج الفروقات العقلية والفكرية لدى الأفراد، وهو ما يكسب الفرد نمطاً سلوكياً قد يكون إيجابياً أو سلبياً، ومن هنا تظهر أهمية النظام الاقتصادي الذي هو المرآة العاكسة للنظام السياسي في أي بلد، والذي ينتج النمط المعيشي لأفراد المجتمع، فإن كان يمتاز بالعدل فإنه يبشر بمجتمع سليم، وإن كان يسوده التمييز والفروقات الطبقية الحادة، فذلك ينذر بمجتمع متفكك وإدارة فاسدة يسودها الجهلاء وينهان فيه العقلاء، ومن هنا يبدأ دور المثقف الملتزم بقضايا المجتمع للدفاع عن الأفراد والطبقات والجماعات المضطهدة والمهضومة حقوقها أيا كانت دون تمييز، ويحث الطبقة السياسية الحاكمة لملاقاة مطالبها ومنحهم حقوقهم المشروعة، وكذلك يدعو القوى السياسية غير الحاكمة إلى تبني ذلك في برامج عملهم المطلبية.

إن المخطط العالمي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط والمنطقة العربية وفق مصالح القوى الرأسمالية العالمية ومرتكزاتها الإقليمية، قد استغل طموحات شعوب المنطقة، التي كانت ولا زالت تحتاج إلى حلول جذرية في كل مناحي الحياة، التي باتت غير لائقة بحياة الإنسان المعاصر، هذا الإنسان الذي هو هدف الحياة وغايتها في المنظور الديني والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية ، لأن جميع الأديان جاءت لردع ظلم الإنسان عن أخيه الإنسان، وإن أغلب الفلاسفة والمنظرين والعلماء اليساريين والماركسيين، قد سخروا طاقاتهم من أجل خدمة الإنسان وحفظ كرامته، ولكن ظل الإنسان في هذه المنطقة مهاناً ومظلوماً وفاقداً لأبسط حقوقه، التي أقلها حق التعبير عن الرأي، وذلك بسبب هيمنة (الدولة العميقة) التي ورثت السلطة بعد رحيل جلاء الاستعمار الغربي، أو استلمت السلطة بالانقلابات العسكرية مدعومة منها، وما زالت تدير دول المنطقة من وراء الستار في خدمة الأجندات الخارجية الما فوق الوطنية، إضافة لأجندات داخلية ما دون الوطنية (الفئوية الضيقة)، وهي من ساهمت بدراية منها أو دون دراية فيما تمر به منطقة الشرق الأوسط اليوم، التي باتت ساحة صراع نفوذ فيما بين القوى الرأسمالية العالمية (المتكونة من: أوربا الفرانكوفونية – الدول الأنكلوسكسونية: أمريكا وبريطانيا وأستراليا- أوراسيا: دول أوربية وآسيوية) من جهة، وما بين تلك القوى ومرتكزاتها الإقليمية (إسرائيل -تركيا -إيران ) من جهة أخرى، هذه القوى التي تدير الآن رحى حرب كونية في الشرق الأوسط بأدوات محلية،  يدفع ضريبتها شعوب الشرق الأوسط بكل مكوناتها قتلاً وتهجيراً وتجويعاً، بعيداً عن مصالح شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط بكل مكوناتها، ولا نخفي بذلك مواقف وتوجهات بعض القوى تلك من حيث وقوفها لجانب قضايانا الوطنية خاصة والقضايا الإنسانية عامة.

وفيما يخص بلدنا سورية، الذي هو نافذة الشرق الأوسط نحو آسيا والشرق الأقصى وأوربا ، وبوابة لطريق الحرير الاستراتيجي لتبادل التجارة العالمية ، والغني بالموارد الخام الأولية، وكل ذلك جعل منه وجهة لأطماع النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي، ويدار عليه اليوم، صراع نفوذ ما بين تلك القوى الاحتكارية إثر ما سمي بـ(الربيع العربي)، ومن خلال قراءتي المتواضعة للواقع السوري قبل الحراك الشعبي والأحداث التدميرية، فقد باتت سورية في ظروف موضوعية وذاتية لا يمكن العودة بها إلى وضع ما قبل الأزمة، هذه القراءة التي دفعتني إليها، قيام بعض الندوات الحوارية هنا وهناك يدعى إليها المثقفون، والتي نأمل منها أن تفتح ثغرة ضوء في النفق المظلم الذي يمر به بلدنا سورية، والسعي الجاد لإيجاد الحل السياسي السلمي وإنقاذه موحداً أرضاً وشعباً، ولكن ما لاحظته في تلك الحوارات ما يثير الريبة لدى البعض من المثقفين والمحللين السياسيين الذين يظهرون ولاءهم لهذا الجانب أو ذاك، ويؤلبون هذا على ذاك، وكيلهم التهم والنعوت الاستفزازية بحق هذا ومدح ذاك، وكلٌّ حسب ميوله وتوجهاته، حينئذٍ أدركت، أن تلك القلة المثقفة لا تهمها مصلحة الشعب السوري والدولة السورية، بقدر ما تهمها مصالحها الشخصية الضيقة، وهذا ما يولد الخشية من عرقلة الحل السلمي عبر الحوار السوري السوري، لأن البعض من تلك الفئة (المثقفة أو السياسية) قد مارس دور الإقصاء والإنكار لحقوق هذه الجهة أو تلك كجزء من الحل السياسي، وكال لها شتى التهم، وألصق بها العمالة والخيانة للقوى الأجنبية المحتلة للبلاد، بالرغم من معرفتهم بأن تلك القوى الاحتلالية، وجدت على الأرض السورية بإرادة وتفاهمات القوى الرأسمالية العالمية ومرتكزاتها الإقليمية المذكورة أعلاه، وبعيداً عن إرادة أغلب الأطراف السورية المتصارعة هذا من جهة، ومن جهة أخرى هي نتاج (السبب والنتيجة -والفعل وردة الفعل) الداخلي قبل الأزمة وطيلة وجودها.

إني أرى أن من يظهر (حرصه على وحدة البلاد) بالإقصاء والإنكار للآخر، قد يسهل بذلك على هشاشة وتشظي وحدة البلاد، لأن الإقصاء وإنكار الآخر والنية في محاسبته ومعاقبته، سيدفع به للبحث عمن يحميه فتصبح التجزئة أمراً واقعاً، وثغرة يتسلل منها المتربصون بالبلد والنيل منه.

كما أن البعض ممن كانوا في هرم السلطة السورية طيلة عشرات السنين، ولقبوا أنفسهم في بداية الأزمة بـ(المعارضة السورية) ورفعوا شعار (إسقاط النظام) حسب قولهم، هم نفسهم ممن عاثوا فساداً في البلاد، وأفسدوا ما لم يفسد، ووصلوا بسورية إلى حالة ترثى لها بكل مناحي الحياة، وكرسوا ثقافة الإقصاء والإنكار، وزرعوا في أذهان أبناء المجتمع السوري بذور الحقد والكراهية والضغينة، ووفروا بذلك الأرضية الاجتماعية الخصبة لما آلت إليها سورية الآن، خدمة لأجندات خارجية معادية للوطن والشعب، ولقد نسفت تلك المعارضة بذلك كل ما هو إيجابي وتقدمي ما قبل آذار 2011 .

و لتستقيم الأمور اليوم فيه، لا بد من السعي السلمي من أجل التغيير الجذري في بنية النظام السياسي والاقتصادي، الذي يجب أن ينعكس إيجاباً على المجتمع السوري بكل أطيافه وطبقاته الاجتماعية والثقافية المتنوعة، ويحقق العدل الاجتماعي فيما بين جميع أفراده ومكوناته الثقافية في الحقوق والواجبات، وهذا ممكن، إذا تم تفعيل دور المثقف الملتزم بقضايا المجتمع والوطن العامة، وتكريس ثقافة الحوار الوطني فيما بين المثقفين والسياسيين السوريين بكل أطيافهم ومكوناتهم بعيداً عن الأجندات الخارجية، وإنجاز المصالحة ما بين المثقف والسياسي، حيث يصبح السياسي مثقفاً والمثقف سياسياً، فلا بد أن يكون المثقف مثقفاً بألف باء السياسة والاقتصاد والقانون ليكتب للسياسيين والإداريين ما يهم إدارة المجتمع، ولابد من أن يكون السياسي مثقفاً بما يساهم ويناسب في إدارة وتطوير وتقدم المجتمع بشكل عام، وضرورة إشراك تلك الفئة المثقفة في حوار وطني سوري سوري، وصولاً إلى مؤتمر وطني سوري، يتمثل فيه كل الطيف السوري، وينبثق منه لجان مستقلة وخبيرة بالشأن القانوني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مهمتها كتابة عقد  اجتماعي للدولة السورية الجديدة بصيغة سياسية جديدة، يشق الطريق لبناء الدولة التعددية المدنية العلمانية الديمقراطية، وتضمن حقوق جميع السوريين وعلى قدم المساواة أفراداً ومكونات، ويفرض على الجميع واجبات اتجاه الوطن السوري.

و الخلاصة يمكن القول : إن أحد أسباب المآسي التي تمر بها اليوم شعوب الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية خاصة، هو تغييب وتهميش دور المثقف الوطني الملتزم بقضايا المجتمع والوطن والشأن العام، وسيادة من لا يهتم إلا بمصالحه الشخصية الضيقة، ولا يفقه ألف باء السياسة والاقتصاد وإدارة الشأن العام، والأبواق من أشباه المثقفين المرتزقة الذين جعلوا من الثقافة سلعة، وإني أرى أن الديمقراطية الحقة في أي بلد لن تتحقق ما لم تتوفر لكل إنسان فيه الحرية والكرامة الإنسانية، وهذا لن يتم إلا بتأمين وضع معيشي يليق بالإنسان المعاصر دون تمييز من جهة، وتحقيق سيادة قوة القانون واستقلاليته ومساواة الجميع أمامه من جهة أخرى، فمن هذا المنطلق يترتب على جميع القوى الوطنية السياسية والثقافية والاجتماعية مهمة نضالية رئيسة، وهي العمل على تحسين الوضع المعيشي العام، وإنهاء الاستقواء بالخارج، والاعتراف بالآخر وقبوله، وتمتين الوحدة الوطنية وإنهاء الاحتلال بأشكاله المختلفة، لأن بتحقيق الوضع المعيشي الجيد لجميع أفراد الشعب يتحقق العدل، وبسيادة قوة القانون يتحقق المساواة، وبالعدل والمساواة تتحقق الحرية والديمقراطية الحقيقيتان، وبهما معا نصل ببلدنا الذي بات في فوهة البركان إلى بر الأمان.

 

العدد 987 - 30/11/2021