فن الاقتصاد

د. أحمد ديركي:

كثرت التعاريف المتعلقة بمصطلح (اقتصاد) إلى حد أصبح فيه من المحال القول إن هذا التعريف هو التعريف الجامع لكل أبعاد هذه الكلمة. وقد وصل البعض إلى حد القول إن (الإنسان حيوان اقتصادي). أي عندما ينتفي البعد الاقتصادي عن المجتمعات البشرية تنتفي الصفة الإنسانية، وفقاً لهذا التعريف! ويلحق بهذا التعريف تعاريف أخرى كثيرة والجميع يغفل مسألة جوهرية في المسألة الاقتصادية. والمسألة الجوهرية هي أن ما يميز الإنسان عن الحيوان هي المسألة الإنتاجية للعيش. فالإنسان الكائن الحي الوحيد المنتج لبقاء عيشه، وكي ينتج عليه أن يعمل، أي ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية هو العمل الإنتاجي لوسائل العيش. هنا يكمن جوهر تميز الإنسان عن الحيوان. وكون الإنسان يعمل وينتج وسائل عيشه من هنا ينوجد الاقتصاد لإدارة هذه العملية الإنتاجية. فالاقتصاد ليس بالشيء المجرد الهابط من كوكب المريخ على المجتمعات البشرية، ولا هو بالمسألة الأنطولوجية في البشر.

تعددت الأشكال الاقتصادية للمجتمعات البشرية وفقاً لتعدد أنماط الإنتاج لديها، فمع كل تطور علمي ينتجه العقل البشري لتطوير العملية الإنتاجية، أي لتطوير العمل الإنتاجي، يتطور الاقتصاد ليتلاءم مع هذا التطور المستجد، فيأخذ الاقتصاد شكلاً جديداً.

حالياً هناك الاقتصاد المعولم أو النيو ليبرالي، الذي بدأ يدخل في مرحلة الذكاء الاصطناعي ليتحول الإنتاج من إنتاج بشري إلى إنتاج آلي. قد يكون هذا العصر ما زال في بدايته على الرغم من التطبيل والتزمير له، لكن كل المؤشرات ما زالت تشير إلى أنه ما زال في مراحله الأولى.

المهم ليس هنا بل الأهم هو أنه للوصول إلى هذه المرحلة التقنية من التطور الإنتاجي لا بد من وجود عوامل متعددة لحدوثه. فالاقتصاد لا يتطور بشكل منفصل عن التطور في النظام السياسي والاجتماعي الموجود فيه. وإن كانت البنى الاقتصادية هي المحددة إلا أنها ليس مستقله عن البنى السياسية والعلاقات الاجتماعية، فإن لم تلحق هذه البنى التطورات الحاصل في الاقتصاد فلن يكون هناك لا اقتصاد ولا بنى سياسية ولا اجتماعية.

حالياً كل اقتصادات العالم سائرة على هذا الدرب، أي الالتحاق، وليس اللحاق، بأكثر الاقتصادات تطوراً. ولكن للالتحاق شروط لا بد من توفرها. ومن هذه الشروط أولاً تأهيل البنى التحتية لتمكين الاقتصاد المتخلف في سباق الالتحاق كي يستعيد جزءاً من عافيته ويلتحق بالمركب ويستكمل تبعيته للاقتصادات المتطورة.

فها نحن على عتبة نهاية عام 2021، أي في الربع الأول للقرن الـ21، وقد وصلت الاقتصادات المتقدمة إلى المريخ واستطاعت المركبة التي صعدت إلى المريخ أن تحلق لمسافات قصيرة على سطحه، واعتبر هذا من أكبر الانجازات العلمية حتى تاريخه. ما يشير إلى مدى تطور العلوم وبعبارة أخرى إلى مدى تطور الإنتاج الاقتصادي. وهناك اقتصاد المعلوماتية بعد كل التطور التكنولوجي المتعلق بعالم الاتصالات، والإنترنت و…غيرها.

وها نحن على عتبة نهاية عام 2021 ما زلنا نسمع بتطوير الاقتصاد في بلادنا في الوقت الذي لا نملك فيه بنى تحتية تؤهل اقتصادنا للحاق باقتصاد القرن التاسع عشر، فضلاً عن البيئة السياسية والاجتماعية! فكيف لهذه الاشكالية أن تُحل؟!

نستهلك هواتف ذكية ولا ننتجها! نستهلك كمبيوترات ولا ننتجها! نستخدم الإنترنيت ولا ننتجها! نركب السيارات ولا ننتجها! نلبس ساعات ولا ننتجها! نستمع إلى الأقراص المدمجة (CD) ولا ننتجها!

لحظة رغم كل هذا هناك عنصر أساسي أصبح الاقتصاد يعتمد عليه، ألا وهو الطاقة. فوفقاً لآخر المؤشرات أصبح مدى استهلاك الطاقة يحدد مدى تطور الاقتصاد في البلد. أي بعبارة أخرى كلما ارتفعت مستويات الإنتاج ارتفعت مستويات استهلاك الطاقة.

وهنا نحن أبطال هذا المؤشر. رغم كل استهلاكنا لكل ما لا ننتجه فنحن لا نستهلك سوى جزء يسير جداً من الطاقة الكهربائية، لأننا ما زلنا في بداية تعرفنا على هذا الاختراع المسمى طاقة كهربائية!

فالكهرباء تزورنا ساعة كل خمس ساعات، وخلال هذه الساعة تأتي وتغادر مرات ومرات، وعلينا خلال هذه الساعة أن نقوم بكل المهمات المطلوبة من العمل الإنتاجي! فهل قاس أحد مستويات استهلاكنا للطاقة لنقارنها مع ما يقابلها في البلدان المنتجة لنحدد مستوى تطورنا الإنتاجي؟ على أمل ألا يقوم أحد بهذا العمل كي يبقى جهابذة الأدمغة الاقتصادية في البلاد مستمرين في عملهم، وفي خطبهم الرنانة حول تطوير الاقتصاد والإنتاجية ورفع الأسعار …إلخ.

وإذا أردنا تحديد مدرستهم الاقتصادية يمكن وصف (فنّهم) الاقتصادي المتبع من قبلهم على أنه: فن من أجل الفن! والقوة التدميرية لهذه المدرسة تكفي لتدمير كل ما تبقى من إمكانيات اقتصادية في البلاد يمكنها أن ترفع من مستويات استهلاك الطاقة!

العدد 987 - 30/11/2021