أطفال بلا طفولة

ريم داود:

فترة الشقاوة والجنون، أنفاسٌ عذبة وأريجٌ عبق وسحائب ماطرة، صفحة ناصعة البياض وثغرٌ باسم، قلب نقي وروح حيّة، وجه ضاحك وبراءة لا مثيل لها، هكذا هي الطفولة بكل معانيها وكل ألوانها. مرحلة تأسيس نمرُّ بها، نرصُّ فيها البنيان لبنة خلف لبنة، وأيُّ بنيان هو ذاك الذي نبنيه؟ إنه إنسان، مواطن، وفرد فاعل ضمن مجتمعه.

لقد نصت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تمّ بموجبها إقرار مجموعة من البنود المفروض التزامها تجاه الطفولة، ففي ١٩٨٩ عقد مؤتمر صادقت عليه ما يقارب 2٠٠ دولة كان الهدف الرئيسي منه حماية الطفل والطفولة، لأن هذه المرحلة العمرية مرحلة حرجة وتختلف عن غيرها من المراحل، يحتاج الأطفال فيها إلى رعاية وعناية وحماية، فالطفل نفسٌ هشَّة سهلة الكسر والخدش، وغصن ليّن ضعيف، نحيل غير قادر على مجاراة صعوبات الحياة ونيل مبتغاه دون عون وسند.

حق الطفل في اللعب: الأطفال هم أساس العالم بأكمله وجوهره، فمجتمع بلا أطفال مجتمع بلا مستقبل، لذا وجب على الأمة أفراداً وجماعات أن تدرك أهمية هذه المرحلة العمرية وأهمية العناية بها بكل الوسائل وشتى الطرق. لقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة في مادتها(٣١) حق الطفل في اللعب والترفيه، والمشاركة بالأنشطة الثقافية والفنية، وعليه لابدّ أن ندرك أن المقصود باللعب هو التواصل مع الآخر والتعبير عن المشاعر، فاللعب يساهم في نمو الطفل وتطوير قدراته البدنية، الفكرية، العاطفية، والاجتماعية، كما ينمي لديه روح الإبداع والابتكار ويعزّز الثقة بالنفس، فضلاً عن مهارات التفاوض والمشاركة التي يكتسبها الطفل أثناء اللعب، كما يغذي لديه روح التنافس الإيجابي. وأمام هذا الشرح والتوضيح عن أهمية اللعب كحق مشروع وحاجة ضرورية للنمو والتطور أولاً، والترفيه والتسلية ثانياً، نجد واقع الطفولة لدينا محاصراً بين حدائق عامة غير مؤهّلة بالشكل الأمثل والكافي، ونوادٍ صيفية ومولات ومدن وملاهٍ تحلّق نحو النجوم بأسعار لا يستطيع كل الأطفال ارتيادها، فنجد في نهاية المطاف أطفالنا تائهين بين أزقة الشوارع عرضة لأي انحراف، وبين جدران المنازل، محرومين من تفريغ طاقاتهم وحيويتهم ونشاطهم مكبّلين بآلات وأجهزة الكترونية تنسف كل إبداعاتهم.

حق الطفل في التعليم: يعتبر التعليم من المسلمات في القوانين والاتفاقيات الدولية والعالمية، فمنذ وجد الإنسان على كوكب الأرض وهو توّاق للتعليم والتعلّم، وعليه يُعدُّ التعليم حقاً أساسياً نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة مؤكّدة ضرورة حصول الأطفال جميعاً على تعليم مجاني وإلزامي في المراحل الابتدائية يؤهلهم لريادة مراحل التعليم الثانوي، لكن وللأسف في كثير من الأحيان لا تأتي ظروف الحياة كما يرغب الأطفال بها، ونشهد عدداً كبيراً منهم خارج مضمار التعليم، موزعين ما بين أسواق العمل والتشرّد والتسوّل.

أسباب حرمان الأطفال من حقوقهم وأثر ذلك على الشخصية: تعدّدت أسباب حرمان الأطفال من ممارسة حقوقهم في اللعب والتعليم والحياة الصحية، وفي مقدمة هذه الأسباب هو:

  • إهمال هذه المرحلة العمرية وعدم العناية بها، في حين تستثمر الدول المتقدمة أطفالها ككنز دفين لمستقبل واعد.
  • انفصال الأبوين: وما له من آثار سلبية تنعكس على واقع الأطفال وحياتهم.
  • حوادث وتشوّهات: قد يولد الأطفال غير قادرين على الحركة، في حين يتعرّض البعض منهم لحوادث تعيق حركتهم فيما بعد.
  • الفقر والأوضاع الاقتصادية المتردية: وتُعدُّ مشكلة أساسية في حرمان الأطفال من معظم حقوقهم والدافع الأول لاتجاه غالبيتهم نحو سوق العمل الذي يحرمهم من التعليم، واللعب، والرعاية الصحية.

وفي الحالات المذكورة سابقاً نجد أن حرمان الطفل من حياة طبيعية ينعم بها أقرانه يؤثّر سلباً على مجرى حياته ونمو شخصيته بشكل سليم، فقد أظهرت دراسات عديدة ناقشت أثر هذا الحرمان على الأطفال، وبيّنت ما يلي:

وجود تغيّرات عضوية: ومفاده أن ما يتعرض له الأطفال من حرمان يؤدي إلى ضغوط نفسية تؤثّر على الجهاز العصبي لديهم، الذي يؤثّر على حجم المخ مقارنه بأقرانهم، ففي دراسة مسحية على عيّنة من أطفال الملاجئ أجرتها مجموعة من الباحثين في جامعة كنغز كوليدج بلندن، تبيّن أن هؤلاء الأطفال عندما أصبحوا في مرحلة الشباب تعرّض عدد منهم لمشاكل القلق، الاكتئاب، فرط نشاط، نقص تركيز… وذلك نتيجة العزلة الاجتماعية ونقص الرعاية التي كانوا يتعرّضون لها، وأن هؤلاء الشبّان وعلى الرغم من تغيّر أحوال معظمهم نحو الأفضل إلاّ أن الذكريات السلبية التي عاشوها في مرحلة الطفولة من إهمال وترك ونقص في الرعاية والحنان أثّرت على نمو المخ لديهم بالنسبة لأقرانهم.

إن الحياة ماضية دوماً نحو الأمام وفي كل نهاية تكمن بداية، وكل وصول يليه انطلاق، تنقضي مرحلة لتبدأ أخرى، وينتهي أمر ليأتي آخر، كتعاقب الليل والنهار، وجريان الأنهار، فالكون في حركة دائبة، والإنسان جزءٌ من هذا الكون الذي يحمل رسالة مضمونها: (لا تتوقف، تحرّك، وأنجِز)! لذا علينا أن نزرع في نفوس أطفالنا اللاتوقف، والحركة المثمرة، والإنجاز الإيجابي كي يكونوا أفراداً فاعلين، منتجين، مبدعين، ومفكرين، فلنؤسّس لهم مناخاً يعزّز هذه الرسالة ويؤكّد مضمونها، ولنسعَ لاستثمار طاقاتهم الحيّة، فمجتمع بلا أطفال مجتمع بلا مستقبل.

العدد 963 - 9/06/2021