أطفال سورية ما بين الحقوق والواقع

إيمان أحمد ونوس:

تحتل الطفولة مكانة خاصة لدى مختلف الحكومات في العالم، باعتبارها مرحلة يتمُّ خلالها تهيئة الكوادر البشرية للمساهمة في بناء المجتمع وتطوره في مختلف المجالات، ويتحقق ذلك بإيلائها العناية المناسبة، وتقديم كل ما تتطلبه في مختلف النواحي الصحية والتعليمية والترفيهية، للكشف عن المواهب والميول التي سيتمُّ استثمارها مستقبلاً. لكن، وفي الوقت ذاته تُعاني الطفولة في البلدان المتخلّفة من الإهمال والضياع والتشتّت، إضافة إلى أنها الحلقة الأضعف في المجتمعات التي تشهد حروباً ونزاعات داخلية، فالأطفال يصبحون والحال هكذا وقوداً لتلك الحروب حين يتمّ تجنيد بعضهم للقتال، إضافة إلى موت الكثير منهم خلال العمليات العسكرية، ومن تبقّى قد يكون لقمة سائغة لعصابات الاتجار بالبشر أو تجارة الأعضاء، أو التسوّل والتشرّد ما يقودهم للعمالة الخطرة التي لا تتوافق وبنيتهم النفسية والجسدية.

وبناءً عليه، وضعت الأمم المتحدة الاتفاقية الشهيرة بحقوق الطفل، بعد أن أعلنت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن للطفولة الحق في رعاية ومساعدة خاصتين، مع الإشارة إلى ضرورة توفير هذه الرعاية في مختلف الظروف لاسيما تلك الاستثنائية كالحروب والكوارث الطبيعية. كما أكّدت هذه الاتفاقية في مادتها 28 على حق الطفل في التعليم، بينما نصّت المادة 29 على أن يكون تعليم الطفل موجهاً نحو تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها. وأكّدت في المادة 31 حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ، ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنّه. إضافة إلى ضرورة احترام الدول المشاركة لحق الطفل بالمشاركة الكاملة في الحياة الثقافية والفنية، والتشجيع على توفير فرص ملائمة ومتساوية للنشاط الثقافي والفني والاستجمامي وأنشطة أوقات الفراغ.

ولقد كانت سورية من الدول التي انضمّت إلى هذه الاتفاقية في عام 1989 ووُضِعَت حيّز التنفيذ في عام 1990، غير أن ما يلفت الانتباه أن الدستور السوري يخلو من أيّة إشارة مباشرة للطفولة ما عدا مفردات عامة كالتي جاءت في المادة 20 من الدستور والتي تنصُّ على:

(تحمي الدولة الزواج وتشجّع عليه، وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه، وتحمي الأمومة والطفولة، وترعى النشء والشباب، وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم).

إضافة إلى إيضاح هدف التعليم في سورية في المادة 28 التي جاء فيها: (يقوم نظام التربية والتعليم على إنشاء جيل متمسك بهويته وتراثه وانتمائه ووحدته الوطنية).

لم يقتصر الأمر على تجاهل الطفولة وحقوقها في الدستور، بل تجاوزه إلى واقع مرير عانى منه أطفال سورية منذ ما قبل الحرب بسنوات، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لاسيما خلال انتهاج الحكومة لما سُمّي (اقتصاد السوق الاجتماعي) سيئ الذكر، إضافة إلى الهجرات المتزايدة التي جاءت من الشمال السوري خلال سنوات الجفاف والإهمال، فكان الأطفال هم الشريحة الأضعف التي تلقّت صفعات هذا الواقع بكل فجاجته وفجوره، وجاءت الحرب ونتائجها المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، فكانت الأسوأ والأفظع وقعاً على أطفال سورية بشكل عام، فقد لاقى العشرات منهم حتفه خلال المعارك الدائرة، وتمّ تجنيد بعضهم في العمليات القتالية بأماكن لا تلتزم بمعايير حقوق الأطفال ورعايتهم، وتعرّض الكثير من الأطفال للتهجير والنزوح واللجوء في مخيّمات لا تتضمن الحدود الدنيا لرعاية الأطفال زمن الحرب وفق ما نصّت عليه اتفاقية جنيف. ولم يقف الحال عند هذا وحسب، بل أصبح منظر أطفال الشوارع كمتسولين وعمال صغار أو مشردين منظراً طبيعياً لم يعد يلقى الاهتمام المطلوب لاسيما من أولئك المعنيين بشأن الطفولة السورية، باستثناء حالات فردية طوعية حاولت انتشال بعض الأطفال من هذا الواقع الرهيب، إلاّ أنها لم تلقَ القبول والرضا فتمّ لجمها قبل أن تؤتي ثمارها.

بالتأكيد لا يمكننا إنكار ما قامت وتقوم به منظمة اليونيسيف للطفولة بالتعاون مع وزارة التربية، لكن النتائج لم ترقَ بعد للمأمول منها، فنسب التسرب المدرسي، وكذلك نسب الأمية بين الأطفال إلى ارتفاع لم تشهده سورية سابقاً، بسبب الإهمال وتجاهل المعنيين بالأمر لاحتياجات الأطفال ما بعد الحرب من رعاية نفسية وصحية وجسدية وتعليمية، إضافة إلى إهمال الجانب الترفيهي والتأهيلي الذي يحتاجه الأطفال في مثل تلك الظروف المريرة التي عايشوها. فإذا ما تعمّقنا بالأمر لا نجد ما يحتاجه أولئك الأطفال من حدائق عامة مزوّدة بالألعاب، ما عدا استثناءات ضئيلة لا تُشكّل إضافة نوعية لهم، كذلك لم تُخصَّص نوادٍ مجانية للأطفال، لاسيما في العطلة الصيفية التي كانت طويلة في العام الماضي وهذا العام بسبب الحجر الوقائي الذي فرضته الحكومة لحماية الأطفال من كورونا، فصرنا نراهم وقد انتشروا في الشوارع التي باتت ملاذهم الوحيد في ظلّ ما ذكرناه أعلاه، ولعدم قدرة الأهل المادية على وضع أطفالهم في نوادس خاصة لأن أسعار الاشتراك بها بلغت مستويات خيالية دون حسيب أو رقيب من الجهات المعنية في الحكومة. وعليه نجد أن أطفال سورية قد تُركوا لقدرهم المأساوي بلا زاد يساعدهم على تجاوزه والاحتفاظ بخصوصية الطفولة المحتاجة أبداً لرعاية واهتمام نوعي بشكل عام، لاسيما زمن الحروب وتبعاتها المؤلمة بشكل خاص.

العدد 963 - 9/06/2021