يساريون بعقلية طائفية

محمد علي شعبان:

يتفق العارفون في جميع أنحاء العالم على أن لكل فعل ردة فعل من جنسه، وقد تعاكسه، وقد تشكل قيمة مضافة له. ولكل فعل آثار سلبية أو إيجابية. وقد تكون سلبية باتجاه وايجابية باتجاه آخر.

من الآثار الجانبية للأزمة السورية، التي لم يتم تسليط الضوء عليها كما يجب، باعتبارها أزمة غير ثورية: ظهور تيار من رحم الأحزاب، والتيارات السياسية اليسارية في سورية، كسر البوصلة، وغادر يساريته، باتجاه الليبرالية الجديدة. وهو يعتقد أن اللحظة التاريخية هامة لفتح علاقات مع الإدارة الأمريكية، ولن تتكرر، وأن عليه الالتحاق بالقطار الأمريكي السريع، حيثما اتجه.

لكن أغلب أعضائه، يعرفون مسبقاً أن هنالك محطتين على خط سيره،

الأولى: في الخليج العربي، لمن التحق حديثاً بالمنظومة الجديدة.

والثانية: في أمريكا، لمؤسسي هذا التوجه والراغبين بقيادته.

معظم أولئك المسافرين انحدروا من تنظيمات وأحزاب يسارية، كانت تكن العداء للإمبريالية حتى تسعينيات القرن الماضي. وجميع هذه الأحزاب كانت تنادي بالاشتراكية، قبل تفكك الاتحاد السوفييتي، والتحول الدراماتيكي المفاجئ، الذي حصل مع بعض رموزها، كالقيادي البارز في حزب الشعب الديمقراطي (رياض الترك)، وتصريحاته التي توحي لمن سمعها أنه نقل البندقية من كتف إلى كتف، وأصبح صديقاً للسفارات الغربية وبشكل خاص السفارة الأمريكية.

إن ذلك الفعل لم يأتِ مصادفة أو مفاجأة. لقد كان له مقدمات منذ ثمانينيات القرن الماضي، تشير إلى وجود تيار سياسي خليط من قوميين، وماركسيين، يتبلور، معتقدين أن رياح التغيير في الشرق الأوسط تسير وفق الرؤيا الأمريكية، منذ التدخل الأمريكي بيوغسلافيا، واحتلال العراق في بداية القرن الحالي، مشبعين بفكرة عدم إمكانية التغيير بعوامل داخلية.

فلماذا نقلت البندقية من كتف إلى كتف؟! وكيف أصبح عدو الأمس صديقاً؟!

وما هي المتغيرات المأمولة التي ستجريها الإدارة الأمريكية في بلادنا، تستحق هذا الانقلاب الدراماتيكي، عند العديد من الرموز اليسارية، حتى يتسابقوا للركوب في القاطرة الأمريكية؟!

بعد انطلاق الثورة المضادة في سورية منتصف آذار 2011 اتضح للجميع أن التيار الليبرالي الجديد بقيادة حزب الشعب الديمقراطي وبعض المستقلين يتناغمون حد التنسيق مع فكرة التدخل العسكري الخارجي الذي دعا له بعض الشخصيات الليبرالية الجديدة، لتغيير النظام في سورية. وللإنصاف لقد كانوا الأجرأ والأصدق في مواقفهم، بغض النظر عن موقفنا ورفضنا لهم، ولمواقفهم.

لكن من ارتدادات الفعل ظهرت بعض الأصوات الخجولة، مرّةً تعاكس الفعل ومرة تحابيه، مرة تهاجم ومرة تهادن، تعرّف عن نفسها أنها يسارية الهوى براغماتية الموقف. ولقد ظهر موقفها واضحاً بعد تشكيل هيئة التنسيق الوطنية، التي جمعت طيفاً واسعاً من الأحزاب والشخصيات المستقلة، وكان مشرفاً على تشكيلها طيف واسع من التحالف الدولي، بشكل غير مباشر، والذي يريد تحقيق مطالبه القديمة والحديثة في سورية.

لقد تشكلت في (واحة الخليج للديمقراطية)! بقيادة حمد بن جاسم. وعززت سماتها (الديمقراطية) بعد التدخل السعودي والتركي بمكوناتها، قبل تشكيل ما سمي بالمجلس الوطني.

ما يلفت الانتباه أن جميع الأحزاب التي شكلت هيئة التنسيق تدعي اليسارية، لكن كيف باركت قطر والسعودية وتركيا هيئة تتشكل جميع مكوناتها من أحزاب يسارية؟!

لم يتأخر الوقت حتى تحالفت جميع تلك القوى في إطار واحد سمّي (الائتلاف الوطني) الذي انبثقت منه الهيئة العليا للتفاوض.. بإشراف حكومة الرياض، التي كان لها الدور الأبرز في التشكيل والأهداف والبرامج، باعتبارها الممول الأهم لذلك التشكيل.

ومن دون الدخول بتفاصيل التشكيل والمحاصصة الدولية في بنيته ونهجه، سارعت كل من منصة القاهرة ومنصة موسكو لإنتاج خطاب توافقي مرن حد الرخاوة لحجز فركونة بالقطار المنطلق من أمريكا، بتمويل من دول الرجعيات العربية، وتأييد ودعم من تركيا والكيان الصهيوني.

وبعد الحوادث المتكررة التي عصفت بالقطار، وظهور رياح التغيير الساخنة، التي فاجأت الليبراليين الجدد وما تبقى من دعاة اليسار المرن أكثر من اللازم، الموجودين في إطار هيئة التنسيق الوطنية، الذين مازالوا يدّعون اليسارية، شكّلوا ارتدادا جديداً، دون أية مراجعة تستحق النقاش، مسرعين لعقد مؤتمر في الداخل السوري، بغية اللملمة وجمع الجهود بالعقلية السابقة نفسها.

يستقرئ المتابع أن خلافاتٍ ما حدثت لا يرغبون بالحديث عنها.

واللافت أن هؤلاء اليسارين يتميزون بسمات يسارية خاصة صنعوها على مقاسهم، اللون الفاقع فيها أنها لا تعادي الإمبريالية، ولا تذكر أي فعل مشين للصهاينة، وتتميز بعلاقات جيدة مع دول الرجعيات العربية، وما زال جزء من قياداتها يعيش على موائد الملك السعودي، والبعض الآخر في أحضان القطريين، والإماراتيين، ولم يعلقوا على الاتفاقيات الجديدة بين الكيان الصهيوني والإمارات والبحرين، ولا حتى مع السودان.

إن هذه الطبخة (اليسارية) الممزوجة والممجوجة ليس لها أصل تعرف به إلا أنها تدعي الاختلاف مع التيارات الإسلامية ومع الليبرالية الجديدة، وتستخدم أدواتها، وتتبنى برامجها.

و اللافت أن بعض القيادات الموجودة في هذه الطبخة العجيبة لم تعتذر عن عشر سنوات من التخبيص، والتبعية، وتزداد إصراراً بالدفاع عن أخطائها، التي أبعدتها تدريجياً عن الأهداف والبرامج اليسارية المعهودة، والتي تتفق عليها جميع قوى اليسار في العالم. وعوضاً عن الإقدام على المراجعة والتقييم، وإجراء بعض التصويبات اللازمة والضرورية، أقدمت على خطوة هجومية على اليساريين الفعليين الذين عرفوا بوصلتهم جيداً منذ البداية، ويعرفون عدوهم جيداً مؤمنين باصطفافهم الطبقي، وبموقفهم السياسي المتعارض، شكلاً ومحتوى، مع الطريقة والأدوات التي تشكلت بها هيئة التنسيق منذ الأيام الأولى لتشكيلها.

إن الوثيقة الموقعة من قبل بعض الأطراف تتهم اليساريين الحقيقيين اتهامات سخيفة. هي العقلية نفسها التي شكلت هيئة التنسيق وشكلت الائتلاف وشكلت جود، والعقلية نفسها التي كانت خلف انقسامات الأحزاب اليسارية، ولا تختلف بالمضمون عن موقف حزب الشعب الديمقراطي رغم الحديث عن خلافات بينها.

إن الخلافات المذكورة هي خلافات على المناصب وليس على البرامج.

مؤسف أن عشر سنوات من الازمة السورية رغم انكشاف العديد من الوقائع، والمتغيرات، ماتزال بعض شخصيات المعارضة، لم تلحظ أي تغيير، وتعيد إنتاج العقلية نفسها التي تدّعي الصوابية، على طريقة المذاهب والطوائف التي تكفّر بعضها البعض، تحت شعار حق الاختلاف.

 

العدد 963 - 9/06/2021