التغافل المتعمد عن الإرهاب الأبيض

د. صياح عزام:

نشرت مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية تقريراً في مطلع شهر نيسان الجاري 2021 عن الإرهاب الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره أصبح يشكل التحدي الأمني الحقيقي والأكبر الذي يهددها حالياً، ومما يلفت النظر في هذا التقرير أن المجلة المذكورة لم تجد حرجاً في وصف الولايات المتحدة بـ(الأمة الغافلة أو المستغرقة في غفوتها)، على الرغم من الخطر الداهم الذي تواجهه. وهذا الوصف بهذه الكلمات القاسية استخدمتها المجلة لأول مرة وعلى غير عادتها.

تبدي المجلة دهشتها واستغرابها، وهي تقارن بين حالة الاستنفار القصوى التي عاشتها أمريكا بعد هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001، وكيف أنها جيشت العالم كله لشن حرب كونية ضد الإرهاب واحتلال أفغانستان والعراق، وتعاملها الفاتر والمثير للقلق في الوقت الحالي، مع موجة أخرى للإرهاب تقوم بها ميليشيات أمريكية متطرفة.

لقد ارتبط تعبير أو مصطلح الإرهاب في عقل الأمريكيين بما تسمى (الجماعات الجهادية) التي تنتشر في البلدان العربية والإسلامية، أو تتمدد بعناصرها إلى الغرب لينفذوا ضربات إرهابية في دوله، لكن ضربات الإرهاب، أصبحت تأتي من الداخل الأمريكي على يد جماعات إرهابية بيضاء تعتنق أفكاراً عنصرية مقيتة، ومشحونة بشحنات هائلة من الكراهية والحقد الأسود.

إذاً، يمكن القول إن خطر الإرهابي القديم ذي البشرة السمراء والشعر الأسود واللحية قد تراجع أمام (الشيطان الأشقر) الجديد ذي البشرة البيضاء واللهجة الأمريكية التقليدية.

الأول- كما هو معروف- اعتاد على الاختباء في جبال أفغانستان وكهوفها ووديانها ومغائرها، وفي دول الشرق الأوسط، والآخر مواطن أمريكي صالح على الأقل حسب سجلات الأمن الأمريكي، يعيش بين المواطنين العاديين، ويعمل معهم ويدفع الضرائب مثلهم، لذلك من الصعوبة رصده ومتابعته خلافاً لزميله الأجنبي المختلف لوناً وعرقاً وديناً ولغة، إذ يسهل على قوات الأمن رصده ومتابعة تحركاته وإحباط ما كان يخطط لتنفيذه من عمليات إرهابية.

إن جرائم الإرهابيين البيض كثرت في السنوات الأخيرة، إلا أن أحدثها وأخطرها وأبعدها تأثيراً، كانت في السادس من شهر كانون الثاني الماضي لهذا العام، عندما اقتحمت مجموعة منهم مبنى الكونغرس الأمريكي في واشنطن من أجل عرقلة إعلان فوز الرئيس جو بايدن، وتنصيبه رسمياً كرئيس للولايات المتحدة.. ولا تستبعد أجهزة المخابرات الأمريكية المتعددة وفقاً لتقديراتها ومعلوماتها التي أعلنتها مؤخراً، أن يشهد العام الحالي هجمات إرهابية جديدة، ربما تكون أكثر عنفاً وخطورة تنفذها الجماعات اليمينية البيضاء.

وخلال شهر تشرين الأول من العام الماضي، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تقريراً أوضح فيه أن ثلثي المخططات الإرهابية في عام 2020 دبرها اليمين الأمريكي أو الإرهاب الجديد، وكذلك الأمر في عام 2016، حيث نفذ هجمات أكثر من أي مجموعات أخرى متطرفة.

والسؤال: ما هي الأفكار التي يتبناها الإرهاب الأبيض، وما هي أجندته السياسية:

1- إن الإرهاب الأبيض يتبنى أفكاراً بالغة التطرف، ولديه كراهية مزمنة (للآخر) المختلف عنه دينياً أو عرقياً.

2- هذا الإرهاب يكنّ الحقد والكراهية لكل مهاجر بشكل عام ويعتبره خطراً على الشعب الأمريكي (حسب زعمه)، ولاسيما إذا كان هذا المهاجر من بلد عربي أو إسلامي.

3- تؤمن هذه الجماعات الإرهابية البيضاء بأن بإمكانها فرض رؤيتها على الآخرين بالقوة المسلحة وبعمليات انتقامية قاسية.

4- غالبية هذه الجماعات لديها أجندة سياسية محددة، وتغطي هذا الأمر بالادعاء بأنها تتعرض لمظالم، منها إجراءات الإغلاق التي فرضت بسبب جائحة كورونا، والادعاء بتزوير الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي خسر فيها ترامب الذي كان يؤيد هذه الجماعات.

5- وجود من يدافع عنهم في الكونغرس، والدليل على ذلك أن 12 نائباً صوتوا ضد القرار الذي اتخذ بتكريم الشرطة التي دافعت عن مبنى الكونغرس عند اقتحامه، وهذا ما يوفر غطاء للإرهاب الأبيض.

وهناك عدة أسباب تواجه أجهزة الأمن في تصديها للإرهاب الأبيض منها: أنها جماعات مسلحة، وعدم وجود تعريف واضح ومحدد لدى السلطات الأمريكية لطبيعة وماهية الفكر الإرهابي، وحالة الانقسام بين الديمقراطيين والليبراليين من جانب، والجمهوريين اليمين السياسي من جانب آخر.

 

الخلاصة

في ظل كل ذلك يتبدد الإجماع الشعبي حول خطورة الإرهاب الأبيض، وتزداد الخشية من حصول كوارث إرهابية جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

العدد 963 - 9/06/2021