رغيف الخبز أم آيفون ١٢؟!

ريم الحسين:

الفجور الحقيقي لم يعد غطرسة أمريكا، ولا أطماع الدول الغربية، ولا هجمات الكيان الإسرائيلي، فهي، على ما يبدو، ثوابت منتهية، على الأقل حتى الآن، بل هو القرارات الأخيرة التي اتخذتها حكومة تعيش ربما في كوكب آخر، لكن سلطتها على الأراضي السورية، وآخرها رفع سعر المشتقات النفطية وخصوصاً المازوت الصناعي ضعفين، هذا إن توفّر، وجاء هذا الرفع بالتوازي مع هبوط أسعاره عالمياً، وتوقع عودتها إلى مستوياتها الطبيعية قريباً، وبناء على ذلك فربما نشهد ارتفاعاً آخر.

هذا الارتفاع سيدفعه المواطن من جيبه إن توفر في جيبه ما يدفعه، ذلك أن الغلاء الفاحش سبق هذه القرارات، فكيف الآن مع ارتفاع تكلفة الإنتاج والمواصلات، ما يعني إطلاق رصاصة أخيرة لا أحد يعلم مداها ونتائجها، وقد بدأت بجحافل من المواطنين منتشرة على الطرقات بانتظار وسيلة نقل، وتكديس الركّاب داخل السرافيس والباصات.

منهج الطوابير المرافق لقرار ارتفاع أي منتج مدعوم أصبح مكشوفاً، واليوم نحن أمام استحقاق الخبز، والمشكلة ليست فقط في الطوابير القديمة المتجددة باضطراد كبير، وإنما هي في نقصان المخصصات المتوفرة لتغطي الحاجة، وربما كان ذلك تمهيداً لرفع الدعم، وقد تكون المشكلة في استيراد القمح والوقود أو للسببين معاً، إذ تبدو بوادر ملامح أزمة في تأمين القمح الذي حرمت الدولة من محصوله في المنطقة الشرقية، برعاية ميليشيا قسد والاحتلال الأمريكي، فقد صرح وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السوري محمد سامر الخليل أن سورية بحاجة إلى استيراد ما بين 180 و200 ألف طن من القمح شهرياً، وذلك، بحسب تعبيره، بسبب وجود ميليشيات تمنع المزارعين من بيع القمح إلى الحكومة السورية. ما يذكره الوزير يعني أن إجمالي المستوردات هذا العام من القمح سيتراوح بين 2.16 و2.4 مليون طن، أي حوالي ضعفي ما تم استيراده العام الماضي، وبذلك فإن فاتورة مستوردات القمح ستصل إلى أكثر من 600 مليون دولار، بحسب أحد الخبراء، واللافت، في المقابل، هو توفر السلع الكمالية التي تستنزف القطع الأجنبي، والتي لم تفارق الأسواق منذ بداية الحرب، وآخرها إعلان إحدى شركات أجهزة الاتصالات عن توفر جهاز آيفون ١٢ (الأمريكي)، وبحسب الإعلان فإنها الأولى عربياً في استيراده بسعر يفوق خمسة ملايين ليرة سورية، في ظل الفقر والفاقة التي يعاني منها الشعب السوري، مما أثار غضب الشارع كيف يمكن استيراد سلع كهذه، واستخدام حجج الحصار والعقوبات عند انقطاع أي سلعة أساسية؟! ما يعني أن سورية ليست بلداً محاصراً، إنما هي بلدٌ مسروق ومنهوب دون إدارة ولا تخطيط ولا مستقبل إلا للفساد المتنقل على الجثث والأمعاء.

وبعد أن تصدّر الساحةَ مشهدُ طوابير انتظار الحصول على الخبز، يأتي كما جرت العادة موضوع الغاز، فمنذ ثلاثة أشهر لم يستلم أي مواطن أسطوانة واحدة وهو على قيد الانتظار، فهل تريد الحكومة أن ترفع الدعم عن الغاز والخبز ليتوفرا؟!

أما كفى إذلالاً للناس؟! فما عادت شماعاتكم تُقنع وما عاد في الأجساد والأرواح طاقة وصبر لتحمل ما يحدث، وليبدأ صراع القدرة على شراء رغيف الخبز بعد فقدان القدرة على اقتناء معظم السلع الأساسية، وليهنأ جمهور الآيفون ١٢ الذي يشكل أقل من واحد بالمئة من الشعب السوري بتلبية حاجاته الكمالية في رغد العيش، ومعظمهم من محدثي النعمة أو تجار الأزمات وأرباب الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع، فالحصار والعقوبات لا تمرّ إلا على أجساد الفقراء.

المجد للشهداء، حماة الديار عليكم سلام.

العدد 937 - 25/11/2020