كي لا يكون الوفر من لقمة المواطن

هيفاء شعبان:

مرت أيام  على قرار  وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك توزيع مادة الخبز تبعاً لعدد أفراد الأسرة، وأعتقد أنه من الضروري بعد مضي تلك الفترة، وما سمعه الناس من بعض مسؤولي وزارة التجارة الداخلية على وسائل الإعلام المحلية أن نسأل ما يلي:

هل عالج نظام التشريح_ ولسنا من حيث المبدأ ضد البطاقة الذكية التي هي أداة يجب استثمارها بذكاء_ مشكلة الازدحام والطوابير على الأفران ومعتمدي بيع المادة؟

هل تحصل كل أسرة سورية فعلاً على مستحقاتها من المادة، وتالياً هل أفرادها لا ينامون وهم جياع لا كسرة خبز في منازلهم؟

هل فعلاً توقفت عملية بيع المادة علفاً، كما كانت تقول وزارة التجارة الداخلية؟

طبعاً لا يهم مسؤولي وزارة التجارة الداخلية ما إن كانت كل أسرة لديها يومياً ما يكفي أفرادها من مادة الخبز أو لا، ولا يعنيهم ما إن كان هناك ازدحام وطوابير أمام معتمدي بيع المادة أم لا، فالكرة بحسب رأيهم في ملعب الوحدات الإدارية!!

فالمهم بحسب تصريحات هؤلاء المسؤولين الأخيرة أن هناك توفيراً جيداً يضاف إلى حوالي 100 طن طحين يومياً منذ أن حُصر بيع مادة الخبز وفق نظام الشرائح.

مرة أخرى نقول لوزير التجارة الداخلية:

هذه الكمية التي تصرّون كوزارة على تسميتها وفراً هي في جزء منها من لقمة عيش الناس، ولم تكن تذهب هدراً، فأسر كثيرة وبحسب استنتاجات الباحثين المشاركين في مسح الأمن الغذائي لعام 2019 باتت تتبع سياسة محاولة تحقيق الشبع في ظل عجز تلك الأسر عن توفير أبسط السلع الغذائية الأساسية على مائدتها اليومية.. وتالياً ليس هناك أرخص وأفضل من الخبز العادي ليشبع الفرد بسرعة وبلا حاجة إلى أنواع أخرى من الطعام، وللأسف، فإنكم بالطريقة الأخيرة التي تتبعها وزارتكم في توزيع المادة، سحبتم أيضاً هذه الوسيلة!

ومن باب الموضوعية أقول: توزيع الخبز وفق الشرائح المعلنة كان عادلاً لكثير الأسر.. لكنه في المقابل كان ظالماً لأسر أخرى، وتحديداً الأسر المعدومة غذائياً، والتي كانت نسبتها قبل موجة الغلاء المستمرة منذ عام 2019 حوالي 30% من الأسر السورية، وهي بالتأكيد زادت لأكثر من ذلك وبكثير!

لكن هل كل الأسر تحصل على الكمية المخصصة لها في ظل هذا الازدحام الحاصل أمام معتمدي بيع المادة؟ ومن أين تأتي المادة لتباع على الأرصفة وفي الشوارع بأسعار مضاعفة جداً عن سعرها الرسمي؟

السيد وزير التجارة الداخلية..

لديّ ثلاث رسائل أوجهها لك، وهي كالتالي:

يجب أن تكون على قناعة تامة أن جزءاً ليس بالقليل من الكادر الموجود في وزارة التجارة الداخلية، والذي كان سبباً أو مشاركاً في كل المشاكل والمصائب المتتالية منذ عدة سنوات، لن يكون قادراً اليوم على تقديم النصيحة والمشورة الصادقة ولن ينقل لك الواقع بأمانة وإخلاص.

إذا كانت الغاية من كل تلك الإجراءات والتعقيدات والطوابير تحرير سعر مادة الخبز، كما هي عادة جميع الحكومات السابقة، فالأفضل اتخاذ ذلك القرار اليوم قبل الغد حفاظاً على ما بقي من كرامة للمواطن الفقير في بلدنا… والرب سيتكفل بإطعامه.

أما إذا كانت الغاية فقط هي ضبط توزيع المادة ووقف التجاوزات والسرقات الحاصلة فيها، فأنت تعلم أن الأمر لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، فهناك عادات استهلاك رسختها عقود من الزمن.. وهناك غلاء فاحش ودخل متدنٍّ تمنع أسراً كثيرة من توفير نوعين غذائيين معاً على الفطور، أو إعداد وجبة طبخ يومية، لذلك لابد من خطوات إضافية من قبيل:

-زيادة عدد المعتمدين وكميات الخبز المعروضة ضمن نسب منطقية ولا تدخل في دائرة الهدر الكبير والفساد، لأن عرض المادة بكميات جيدة تطمئن المواطن، وتضمن حصوله على المادة في نهاية المطاف.. من دون المسّ بكرامته أو إذلاله.

-اعتماد آلية تسمح للمواطن باستجرار احتياجاته خلال فترة 2-3 أيام، وهو إجراء سوف يساهم في تخفيف حدة الازدحام والطوابير.

-توزيع أكشاك لبيع الخبز فقط بجانب الأفران العامة بالتنسيق مع الوحدات الإدارية، فالفرن الذي لديه نافذتان فقط لبيع الخبز للمواطنين، من الطبيعي أن تتشكل أمامه الطوابير وتشتغل الواسطات والمحسوبيات، لكن عندما يدعم بخمسة أكشاك مستقلة وصغيرة بجانبه فلن يكون هناك أي ازدحام، ولتُعطَ هذه الأكشاك لجهة نقابية مثلاً أو لصندوق تعاوني أو حتى للبلدية …الخ.

حل مشكلة الخبز ليست بحاجة إلى تدخل الأصدقاء، والاطلاع على تجارب دولية، ولكل هذه الأشهر من المعاناة للمواطن.. فكل ما تحتاجه لا يتعدى مقاربة الواقع كما هو بعيداً عن التقارير التجميلية والاجتهادات الشخصية المبنية على رؤى قاصرة.. مقاربة الواقع بالاعتماد فقط على ما يقوله الناس.. فهم الأصدق في التعبير عن مشاكلهم ومعاناتهم وآلامهم.

هامش

مرة أخرى نقول إن البطاقة الذكية هي أداة، فكلما كانت السياسات صحيحة ومحسوبة، تمكّنّا من تحقيق المراد منها وعبرها باعتبارها السبيل الوحيد لإيصال الدعم إلى مستحقّيه.

العدد 937 - 25/11/2020