ما بين الترف والاستلاب.. إنسانيتنا إلى خراب

إيمان أحمد ونوس:

فرض الانفتاح الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي على غالبية المجتمعات والأفراد سلوكيات وحتى أخلاقيات غريبة إلى حدٍّ ما عمّا اعتادته تلك المجتمعات، مثلما فرضت الحروب والنزاعات التي شهدتها المنطقة أخلاقيات غير معهودة، وهذا أمر طبيعي. فمنذ عقود سابقة للحرب في سورية، شهد المجتمع تحوّلات اجتماعية بعضها غريب ومُستهجن، دفع بالغالبية إلى رفضها باعتبارها من وجهة نظرها سلوكيات مقتبسة عن المجتمعات الغربية ولا تليق بنا وبثقافتنا وتقاليدنا سواء على مستوى علاقة الأفراد فيما بينهم، أو على مستوى علاقتهم بأمور أخرى، منها تربية الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب، وهي غربية المصدر أصلاً، وقد طفت هذه الظاهرة على السطح بشكل لافت لدى أبناءطبقة معيّنة أو أفراد يعتبرون أنفسهم متميّزين عن سواهم بالتفكير والسلوك والتعاطي مع الحياة، فكانوا محط استهجان واستهزاء لاسيما أن المجتمع يعجُّ بالفقراء والمتسولين الذين لا يجدون ما يسدُّ رمقهم ولو بالحدود الدنيا، وتحديداً في العقد الأخير الذي سبق الحرب، فقد ظهرت النوادي المعنية بتربية هذه الحيوانات وبيعها وشرائها، وكذلك المحلات التجارية المُتخصّصة بطعام هذه الحيوانات ولباسها وإكسسواراتها، كذلك نشطت العيادات البيطرية الخاصة بها وبفحوصها الدورية وشهاداتها الصحية وحتى جوازات سفرها، كما أُنشِئت لها صفحات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، واستمر الحال على ما هو عليه لدى هذه الشريحة خلال الحرب التي أتت على كثير من مظاهر الحياة في العديد من المناطق، وبعدها، فكان النزوح والتشرّد سيّد الموقف، إضافة إلى البطالة والفقر اللذين ارتفعا اليوم إلى مستويات قياسية لم يسبق أن وصلاها سابقاً بكل ما تخلّفه البطالة من فقر وحاجة وعوز وجوع ترك البعض يبحثون عن طعامهم في بقايا محلات الأطعمة والخضار ومخلّفاتها، كما يُفتّش البعض في حاويات النفايات عمّا يسد رمقهم أو الحصول على بعض المخلّفات البلاستيكية وما يُشابهها لبيعها بثمن بخس لا يشتري حتى ربطة خبز.  

بالتأكيد، هذا التفاوت في طبيعة حياة الإنسان وكيفيتها واحتياجاتها الأساسية المفقودة لدى الغالبية، وما يُقدّم لهذه الحيوانات من عناية ورعاية واهتمام لا تحوز عليها هذه الغالبية البشرية، سيؤدي حتماً للاستغراب والاستهجان وحتى الرفض من قبل الجميع، لاسيما أولئك الناشطون في قضايا حقوق الإنسان في مجتمع يفتقد اليوم لأدنى هذه الحقوق ومتطلباتها، بل وتُنذر مجريات الأمور من غلاء مستمر ومرتفع ما بين يوم وآخر، إضافة إلى الجفاف والحرائق التي التهمت حياة ومحاصيل بأكملها، بمجاعات قادمة لا تستثني بلا أدنى شكّ إنساناً ولا حيواناً ممّن تبقى في محمياتنا التي التهمتها النيران أو تلك التي تُربّى في الأرياف، بينما تُصرف ملايين الليرات سنوياً على تلك الحيوانات الأليفة من قبل طبقات وفئات لم تُفكّر ولو لبرهة بمصير ملايين الفقراء، ولا تتأذّى من منظر طفل مشرّد يقتات على بقايا الأطعمة ومخلّفات الحاويات، ولا يطول حتى طعام هذه الحيوانات، بل بالعكس تنظر هذه الفئات إلى أولئك المعذبين نظرة احتقار واشمئزاز وحتى قرف باعتبارهم يلوّثون مجالها الحيوي ونظرتها الترفية إلى الحياة.

لا شكّ في أن لكل إنسان حياة خاصّة لا يجوز لآخر التدخّل في كيفيتها واتجاهاتها وطريقتها، ولكن بالمقابل هناك قضايا إنسانية وأخلاقيات لا يختلف عليها البشر، كالتعاطف بين الناس لاسيما في الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية والتي يتم خلالها تآزر الدول مع بعضها، فكيف بأبناء المجتمع الواحد؟ لكن الاستلاب الذي انقادت إليه بعض الفئات والشرائح والأفراد قد طغى على كل القيم الإنسانية التي لا اختلاف عليها بين مجتمع غربي أو شرقي، وهذا الحال بالتأكيد ساهم إلى حدٍّ كبير مع الكثير من تبعات الحرب بخراب حياتنا وأخلاقياتنا الإنسانية بشكل تخجل منه حتى الحيوانات!! فهل تصحو إنسانيتنا من غفلتها قبل فوات الأوان!؟

العدد 937 - 25/11/2020