في أيّ حال بات الناس يا وطني؟!

ريم داوود:

إنها ساعات الصباح الأولى، تكاد الشمس تُلقي خيوطها مودّعة ظلام أمس غابت بين ساعاته قصص، هموم، مواجع وضحكات لتزفّ لنا صباح يوم جديد، لعلّه أحنّ علينا من سالفه. خرجتُ للشرفة أستنشق بعضاً من الأوكسجين النقي، أستمتع بهدوء ما قبل الضجيج وازدحام المارّة والسيارات، فهذه اللحظات ثمينة للغاية.. أمتّع ناظري وأذنيّ، فزقزقات العصافير تُغني عن زمامير السيارات، وفجأة انتابتني القشعريرة ولم أدرِ هل كان سببها ذالك النسيم الصباحي؟ أم ذاك العجوز الذي كان يبحث في حاوية القمامة؟ نعم، لقد اختار ذاك العجوز إشراقة الشمس الأولى علّه يجد ما يسدُّ به رمقه وما يلبّي حاجته دون أن يراه أحد!

تراجعتُ بضع خطوات أراقب حاله دون أن يشعر بوجودي أو يلحظ حضوري، وكم غمرت السعادة قلبه عندما وجد بعضاً من فتات الخبز وبقايا علبة جبن ربما تكون صالحة للأكل وكأنه طرب طرب الصائم لأذان المغرب. باشر ذاك العجوز بتناول طعامه وأخذ يُتمتم مخاطباً قطّاً مارّاً: (تعال! أكيد أنت جوعان متلي.. تعال، لا تخاف! أنا وأنت منشبه بعض، مناكل من نفس المكان، ومندوّر كتير لنلاقي شي يتاكل!).

غصصت بدموعي واختنق صوتي، وعلا صوت العجوز يشكر الله و يحمده بعد أن انتهى من طعامه!!

أيّ حال بات فيه الناس يا وطني؟؟ يشكرون الله ويحمدونه على فتات وبقايا فضلات الطعام! وهل صدق الشاعر عندما قال: الفقر في وطننا غربة والمال في الغربة وطن؟!

دخلت غرفتي حزينة شاردة البال، أقارن حال ذاك العجوز البائس بكثير ممّن ركبوا الموجة ذاتها في اقتناء أغلى أنواع الحيوانات من قطط وكلاب وببغاوات وغيرها، يرعونها ويؤمّنون لها كل شروط الصحة والرعاية اللازمة من بطاقات صحية وغذاء خاص ولباس مميّز، والأسوأ أنهم يتباهون فيما بينهم إذا ما اجتمعوا!!

يا لها من مقارنة مميتة لكنها واقعية للأسف! فكم من عجوز، طفل وسيدة يُمضون ليلتهم أرقاً من الجوع؟ وهل نعزو هذا الحال للحرب كأنها شمّاعة نُعلّق عليها ما نشاء، أم أن الرحمة ماتت في قلوب الناس؟ مشهد لم يغب عن بالي لأيام (عجوز يحمد الله ويشكره على ما تناوله من فضلات الطعام، وشاب يتذمّر لأنه لم يجد طعام كلبه المدلل في أحد المحال)، وذكّرني ببعض أبيات للشاعر الهمذاني يقول فيها:

والفقر في زمن اللئام لكلّ ذي كرمٍ علامة

 رغب الكرام إلى اللئام وتلك أشراط القيامة

 فكم من بائس، كم من جائع، كم من فقير يكدح لا يجني سوى بؤسه!

ومترفٌ يلهو بدنيا الفجور قد حصر الحياة في كأسه!

العدد 937 - 25/11/2020