الشعر بين ما هو كائن.. وما يجب أن يكون

عباس حيروقة:

لن أدخل هنا في تعريف الشعر لغةً واصطلاحاً، ولن أبحث في تجارب أساطينه وسدنته، ولا في أنواعه، ولن أتطرق لعناصره الفنية وخصائصه وأقسامه ومدارسه ولن .. ولن .. الخ، لأنني أخال أنني لن آتي بجديد.

ولكن ما يمكن الحديث عنه هنا هو مهام الشعر وتبدُّل دوره التاريخي من حيث هو يمثل قيمة جمالية روحية أخلاقية منتصرة للحق وللخير وللأصالة، ومن حيث هو أيضا حالة معرفية للمجتمع، بل هو المصدر المعرفي الثقافي، وهو السجل الأهم الذي يدون فيه تراثه الأصيل ويوثق الأحداث الجسام والأنساب والوقائع ويحفظ القيم ويعمل على تعزيزها ونقلها من جيل إلى آخر.

كان الشعر وما زال وسيبقى الأكثر قدرة على تقديم تصورات رؤيوية لمستقبل ما.. وتتأتى له هذه الميزة، من بين جميع مفردات المنظومة المعرفية وخاصة الأدبية منها، من خلال تملّكه أدوات التعامل مع الزمن، فهو القادر على تفكيك الزمن الميقاتي الفيزيائي والاجتماعي، وإعادة تشكيل وعيه وفق ثقافة مغايرة تأصيلية تأسيسية معرفية، بعد الإمعان مطوّلاً في الحراك السياسي ولاقتصادي والفكري .. فينتج رؤى ونبوءات وتجليات مستقبلية، وغالبا لا يتم التعاطي المرحلي الآني مع تلك النبوءات إلا بعد فوات الأوان.

من بدهيات أيّ منظومة معرفية وأولى مفرداتها: (التنوير)، ومن ألف باء التنوير تشكيل جبهة وطنية إنسانية في وجه الظلاميين من أبناء الكهوف والأقبية الرطبة، في وجه ثقافة الفساد والإفساد التي مورست لعقود إن لم نقل لقرون، للوصول بالإنسان إلى ما وصل إليه، في وجه ثقافة التكفير والقتل والاصطفافات الطائفية والمذهبية.

ومن هنا نقول إن من أهم واجباتنا كمثقفين، كشعراء: الانتصار للخير، للحب، للسلام، للانتماء، للحرية بكل تجلياتها، وهذا ما يمكن اختزاله بالانتصار للوطن، والعمل على تعزيز ثقافة القانون والمواطنة والكرامة والعدالة والمؤسسات …الخ. ولا يتحقق هذا كلّه إلا من خلال نبذ ثقافة القبح والفساد والكراهية والعبودية والقمع والقتل..  والاتجاه بشكل جماعي للعمل على الارتقاء بالإنسان نحو الأفضل.

هم حاولوا أن ينأوا بالثقافة وبالشعر.. بالفكر.. بالفلسفة.. عن تلك المفردات الحضارية، التي كما أسلفنا تعمل على النهوض بالإنسان تجاه وطن يرفل بالسلام وبالخير.. بالحرية وبالقانون، فعملوا على كل ما يجعل المثقف مهمّشاً بلا أحلام، بلا رؤية، فأصبح جلّ همّه رغيف خبزه وزجاجة دواء لطفله المحموم.. حدّوا وجمّدوا أحاسيسه تجاه القضايا الكبرى.. أفرغوه حتى من محتواه النفسي والاجتماعي، من انتمائه إلى مكونات حضارية، ثقافية، تاريخية باذخة، وإن كان غير ذلك يلاحَق ويسجَن ويجوّع.. أمل دنقل أنموذجاً.

جل الشعراء من عرب ومن عجم دعوا في قصائدهم إلى إحلال السلام ونبذ ثقافة العنصرية، وكل أشكال العبودية ونادوا بالمحبة: زهير بن أبي سلمى – المتنبي – أبو نواس – رسول حمزاتوف – لوركا – طاغور …الخ.

العدالة والحرية والانتماء هي من أبجديات الشعر والفكر والثقافة.. والانتصار للخير، للسلام، للضوء، للنور، هو بداهة الإنسان الحق. 

الشعر تلك الكروم المعلّقة بأعيننا وقلوبنا، تنتظرنا وتحنُّ إلينا وعلينا، كروم الدروب الطويلة والعمر المديد.

الشعر تلك الينابيع التي جمعتنا حولها حفاة وركضنا على حوافها نشدُّ السماء إلينا بأناشيد وأهازيج كل الأمهات و الجدات.. نرسم ما زنّرنا الله به من براءة وعشق على وجه ماء.

الشعر.. أسئلةٌ راكمتها حالات الخوف، القلق، التأمل، البكاء،  بكاء النساء على جثث أزواجهن.. أشقائهنَّ.. وحين بكاء الرجال على مرأى من أولادهم الضالعين في النحولة والانحناء والجوع. 

الشعر تلك العيون التي تنتقل بين خرابات الحروب وازدحام السماء بكتل الحديد، وهدير المجنزرات على ضفاف نهر ودروب القرى.. والله الذي في الأعالي.

الشعر حنين وطن.. حنين أم على وحيدها المتأخر في مساءات الحروب. 

الشعر نور وضوء وأسراب عصافير..

الشعر تهاليل وأهازيج وزغاريد امرأة تستقبل تابوت ابنها الملفّع بالوطن وبالعلم. الشعر.. والشعر..

العدد 937 - 25/11/2020