أزمة وقت

د. أحمد ديركي:

منذ فجر الحضارة البشرية والإنسان يهتم بـ(الوقت) وإن لم تكن درجة اهتمامه به وصلت إلى الحد الراهن.

فالساعة البيولوجية للإنسان، في البدء، كانت تعمل وفقاً للظاهرة الطبيعية لشروق الشمس وغروبها المرتبطة بحركة دوران الأرض حول الشمس. ومع تطور نمط إنتاج الإنسان لعيشه تطور مفهومه للوقت.

قد تكون أول مرحلة وعي لمفهوم الوقت ارتبطت مع بدء الاستقرار ومعرفته للزراعة. فالزراعة، من حيث المبدأ، غالباً ما تكون موسمية، وهنا كان على الجنس البشري أن يعمل على تقسيم (الوقت) بشكل يمكنه من معرفة (فصول السنة) ربطاً بالزراعة. وبدأ مفهوم (الوقت) بالتشكل والتعقد وارتبط بالعمر الافتراضي لكل المنتجات الزراعية، من الزرع وصولاً إلى الإنتاج ومنها إلى مفهوم عمر الإنسان من لحظة الولادة، فترة الطفولة، إلى فترة الإنتاج، من الصغر إلى نهاية مرحلة الشباب، وصولاً إلى مرحلة الشيخوخة، فترة اللاإنتاج وانتهاء (الوقت) أي الوفاة.

رغم بدايات تعقيد (الوقت)، في حينها، والتي تبدو سهلة وبديهية لنا في زمننا الحاضر إلا أنها مثلت في حينها تعقيداً يتناسب مع مدى تطور عملية الإنتاج مع لحظ ارتباط (الوقت) بالطقوس الدينية وارتباط هذه الطقوس بفصول السنة وارتباط هذه الفصول بالزراعة.

بعد أن شكل الإنسان نمط إنتاجه الزراعي، ويطلق عليه نمط الإنتاج العبودي، تطور هذا النمط الإنتاجي ليصل إلى مرحلة الإقطاعية، التي ولدت من رحم تناقضات نمط الإنتاج العبودي. لم يبق مفهوم (الوقت) جامداً متجمداً في مفهومه الأولي كما كان عند بداية اكتشاف الزراعة والاستقرار، بل تطور بتلاؤم مع التطور الذي لحق بنمط الإنتاج وصيرورة انتقاله. فأصبح الانسان يهتم أكثر بـ(الوقت) لما للوقت من أهمية وتشابك أكبر مع نمط الإنتاج الجديد. فعلى سبيل المثال هناك وقت لدفع جزء من إنتاج الأرض للإقطاعي، وهناك تخزين وتموين للمحاصيل، وعلى الإقطاعي أن يقدم جزءاً من إنتاج الأرض التي اقتطعها له (الملك). أي أصبح مفهوم الوقت أكثر تعقيداً ليس على مستوى العملية الانتاجية فحسب، بل على مستوى المفاهيم الاجتماعية والسياسية أيضاً وفكرة (الخلود) ومدى تشابكها مع النظام السياسي والاجتماعي.

مع انتقال المجتمعات البشرية من نمط الإنتاج الاقطاعي إلى الصناعية، أو الرأسمالي، انتقل معه مفهوم الوقت أيضاً وأضيفت إليه تعقيدات على تعقيداته السابقة، وسقط منه بعض القديم.

من أحد ميزات نمط الإنتاج الرأسمالي دخول الآلة بشكل أساسي في عملية الإنتاج، وكانت (الثورة الصناعية). فانتقلت عملية الانتاج من قوة الإنتاج (البيولوجية)، سواء كانت حيوانية أو بشرية، إلى قوة إنتاج آلية بمساعدة إنسانية. وهنا يمكن لحظ عدم وجود صناعة بالمفهوم الحديث من دون آلة ميكانيكية، الكترونية أو كهربائية أو…

بعيداً عن كل تعقيدات عمليات الانتقال من نمط إنتاجي إلى آخر وكيف تمت وما أحدثته من تغيرات جذرية في مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أتت الآلة لتمثل هيمنة مفهوم (الوقت) وليساهم المفهوم الحديث (للوقت) في تكريس (عبودية) الإنسان في نمط الإنتاج الرأسمالي.

رغم كل التعقيدات الميكانيكية للآلة وآلية عملها الداخلية ما يمكن لحظه أن العملية برمتها مرتبطة برمتها بدقة (الوقت)!! وبهذا ربطت الآلة دقة (الوقت) بوجود العامل، وأصبح من الواجب عليه أن يعمل بدقة توقيت الآلة لاستمرار عملية الإنتاج. ومع كل تطور أصاب أو يصيب الآلة يحتل (الوقت) حيزاً أكبر في عملية التطوير هذه. والأمثلة كثيرة وما من حاجة لتفسير أكثر فجميعنا يعمل، أو كان يعمل، ويعي تماماً العلاقة ما بين (الإنتاج) و(الوقت).

أمر يأخذنا إلى طرح السؤال التالي: هل أحد أسباب (تخلفنا) عن مواكبة العصر وأزماتنا عدم ربط آليات إنتاجنا بالوقت؟!

العدد 937 - 25/11/2020