ماهية اليسار

إبراهيم الحامد:

اليسار فكر إيديولوجي يحث ويحرّض لحماية المضطهدين والمظلومين من البشر في الأرض على اختلاف ألوانهم وأعراقهم ولغاتهم ودياناتهم، وإزالة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ورفع ظلم أمة عن أمة أخرى.

وبعيداً عن المعنى الحرفي للحزبية والسياسة، فإن الإنسان الذي يعتمد العلم والعلمانية في توجهه الذي يخدم البشرية دون تمييز، هو يساري بالفطرة، لأن كل العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية وغيرها من العلوم الحديثة إضافة إلى التقنية المتطورة، هي من الكدح الفكري للإنسان الكادح الذي ساهم بها في تطور البشرية وتقدمها، مثله مثل الكادح بالجهد العضلي في الإنتاج الزراعي والصناعي والبناء، وكذلك المثقف السياسي المناضل الذي يعمل لصقل ذهنية الإنسان ليعي حقوقه ويدافع عنها ويدرك واجباته اتجاه الآخرين ويقوم بها. كما أن اليسار اهتم بعلم الجمال كالغناء والموسيقا والفن والأدب والسينما والمسرح واعتبرها قضايا روحية للإنسان، على عكس المتدينين الذين اعتبروها فجوراً ومجوناً يلهيانه عن ذكر المعبود والمقدسات الدينية.

يتجلى لنا مما تقدم أن الثقافة اليسارية حتمية، ومستمرة في البحث والنضال من أجل غد أفضل، وتخاطب روح الإنسانية العطشى للعدل الاجتماعي والمساواة في التمتع بالجمال والحب والخير والحرية.

إن تراجع اليسار حزبياً وسياسياً لا يعني موتها، بل هو مستمر فكرياً وثقافياً وفلسفياً، وقد تغلغل الكثير منه في الثقافة المحافظة والدينية، بل سرق منه دعاة الفكر المحافظ والديني وأدخلوه في نهجهم السياسي، لإغراء الجماهير الكادحة وإبعادها عن حواضنها الأساسية من الأحزاب اليسارية والشيوعية.

 تلك القوى الأصولية الماضوية حاربت، بضراوة، الفكر اليساري وأحزابه الشيوعية المتميزة بإنسانية فكرها، وعالميتها وأمميتها، محاولة منها لتكريس فكرها ومقدساتها اللاهوتية غير آبهة بالمعذبين والمضطهدين من المجتمع البشري، وتحالفت معها في حربها تلك وما زالت، القوى العلمانية الرأسمالية والبرجوازية والليبرالية الجديدة، المستمرة في نهب وسرقة مقدرات الشعوب المضطهدة، وبمواجهتها نظرياً وتطبيقاً ميدانياً لكل ما يتصل بالنظام الاشتراكي والفكر الشيوعي، منهل الثقافة اليسارية، برأس حربتها البرجوازيةَ القومية المقنعة بـ (الاشتراكية) والتي اغتنتْ من نهب وسرقة المال العام، واستغلال عرق الكادحين الذين خضعوا لاستغلال ممنهج ومقنّع لحقوقهم في العيش الكريم، لقاء شغلهم، وتعبهم، ورفع إنتاجية أوطانهم، ومجتمعاتهم، وإيداعها كأرصدة للناهبين في بنوك الدول الرأسمالية ، التي سرعان ما تستولي عليها، بحجة محاربة الفساد وفرض العقوبات على كل من يتطاول على أسياده.

العدد 937 - 25/11/2020