قراءة أولية في كارثة بيروت!

طلال الإمام_ السويد:

بدايةً، كلّ التضامن مع الشعب اللبناني الشقيق في محنته، والرحمة لأرواح الشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، والمأوى للمشرّدين بفعل الكارثة.

 إذا أردنا أن ندرك حقيقة وأهداف الكارثة التي حلت بلبنان الشقيق، وأودت بحياة مئات الشهداء وخلّفت آلاف الجرحى، إضافة إلى تدمير البنى التحتية والخدمية، يجب علينا دراسة التصريحات والمواقف التي سبقتها من مختلف القوى المحلية الإقليمية والدولية.

يعيش لبنان منذ شهور أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة أدت إلى تعاظم التجاذبات السياسية، وازدياد الهوة بين الناس والطبقة السياسية الفاسدة التي تختبئ وراء شعارات مضللة، مرة طائفية وأخرى سياسية.

يبدو من الصعب الآن التكهن بأسباب الكارثة أو بمن يقف مباشرة خلفها. وربما سيتم طمسها، لكن سنسعى إلى قراءة اللوحة كاملة.

لقد سبق الكارثةَ العديدُ من المؤشرات والتصريحات اللافتة التي قد توضح من المستفيد منها:

أولاً_ حراك شعبي عابر للطوائف لتحسين الوضع المعيشي أخاف قوى الفساد والطائفية.

ثانياً_ وقوف الغالبية العظمى من القوى السياسية المؤثرة ضد أية إصلاحات عابرة للمحاصصة الطائفية، أو ضد الفساد.

ثم جاء الحصار الاقتصادي المفروض على البنوك، والذي أثر على إيداعات المواطنين ولقمة عيشهم، ففاقم الأوضاع في ظل عجز النظام الطائفي والفساد عن إيجاد حلول جذرية.

ثالثاً_ دخلت قوى إقليمية جديدة على خط الأزمة اللبنانية: تركيا بوجهها الإخواني.

رابعاً_ تعالي الدعوات للتوجه شرقاً، ومن هنا زيارة وفود من الصين، إيران والعراق إلى لبنان، وإجراء محادثات لتقديم مساعدات في وجه العقوبات الاقتصادية التي أدت إلى زيادة الأزمة وتعميقها.

خامساً_ لتطويق التوجه شرقاً، بدأت الزيارات المكوكية لمسؤولين أمريكيين وفرنسيين وغيرهم، ترافقت مع تفعيل عملائهما في الداخل والتجييش أن المقاومة هي السبب وراء جميع كوارث لبنان، وتصريحات تحذر علناً من أن التوجه شرقاً سيؤدي إلى انهيار كامل للبنان، كان أوقحها تصريح وزير الخارجية الفرنسية الذي قال قبل أيام فقط: (لبنان على شفير الهاوية ويجب تنفيذ الإصلاحات، إن لبنان أصبح على حافة الهاوية، وإنه في حالة لم يتم تنفيذ الإصلاحات الضرورية فقد يذهب لبنان إلى الهلاك). إضافة إلى ضغوط أمريكية وغربية للانصياع لمطالب صندوق النقد الدولي.

سادساً_ كالعادة المحتل الاسرائيلي جاهز دوماً بعربدة عسكرية أو ضغوط سياسية تحت حجج وذرائع معروفة عبر أدواته في الداخل اللبناني.

سابعاً_ محاربة أي تحرك باتجاه التقارب مع سورية أو حتى فتح الحدود أو التعاون بين الدولتين لحل أزمة اللاجئين في لبنان.

ثامناً_ شيطنة المقاومة اللبنانية وتحميلها كل أزمات لبنان.

 الآن، كيف ستُستغَل الكارثة لتحقيق أهداف جيو سياسية؟ نعتقد أنه:

* سيُستغَل خروج مرفأ بيروت من الخدمة كلياً أو جزئياً، مع محاربة أي مسعى لفتح الحدود مع سورية التي تعد المنفذ الوحيد للبنان، إضافة إلى تعالي أصوات معروفة للاستفادة من الموانئ الفلسطينية المحتلة.

* مع دخول تركيا الإخوانية على خط الأزمة في لبنان قد يُستغنى عن مرفأ بيروت لصالح مرفأ طرابلس، معقل الإخوان والسلفية.

* بعض القوى السياسية المعروفة بارتباطاتها ستحاول المطالبة بالخضوع لشروط صندوق النقد الدولي كحلّ وحيد لأزمة لبنان.

* عرقلة أية جهود للتوجه شرقاً أو للتعاون مع سورية.

* سنجد أن هناك من سيطالب بوضع لبنان تحت أي شكل من أشكال الوصاية الدولية، أو استقدام قوات دولية للحدود معه سورية لخنق المقاومة.

* محاولة البعض الإيحاء أن لبنان بلد فاشل والسعي لتدويل أزمته.

وقد أعلنت الحكومة اللبنانية عن تشكيل لجنة خاصة لمعرفة أسباب الكارثة من أجل محاسبة المسؤولين عنها. نتمنى أن يتحقق ذلك بسرعة، وألا تسجَّل ضد مجهول، وإن كنا نشك بإمكانية تحقيق ذلك، لأن بعض أطراف الطبقة الحاكمة ستعرقل هذا العمل مستفيدة من المحاصصة الطائفية للنظام القائم ومن ارتباطاتها الإقليمية والدولية.

أخيراً، تراءى لي وأنا أتابع صور الكارثة أن ثمة تشابهاً بينها وبين أحداث الحادي عشر من أيلول، وكلنا شهود على تداعيات الحادي عشر من أيلول من احتلال أمريكي وأوربي لبعض البلدان بذريعة محاربة الإرهاب. فما هي تداعيات كارثة بيروت يا تُرى!؟

لننتظر ولنرَ!

العدد 928 - 23/09/2020