ازدياد حالات الانتحار في سورية

صفوان داؤد:

تشير معطيات دولية صادرة عن مؤسسات منظمة الأمم المتحدة المختلفة وتقارير من صندوق النقد الدولي ومراكز بحثية رفيعة أن سورية تصدرت قائمة الدول الأكثر فقراً بالعالم، بنسبة بلغت 82.5%. وارتفعت نسبة البطالة فيها إلى 78%، وثمة نحو تسعة ملايين سوري عاطل عن العمل، ودخل أكثر من نصف المجتمع السوري العوز والحاجة المباشرة إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية المختلفة. وبينما ازدادت الأسعار بشكل عام بين 2011 و2019 نحو 14 ضعفاً، فإن ازدياد الأسعار عاد وارتفع بشكل جنوني منذ أيار الماضي بنسبة 130% بحسب برنامج الغذاء العالمي.

لقد أدت الحرب السورية، وزيادة نفوذ الميليشيات العسكرية الموازية للدولة وانهيار مؤسساتها أو ضعفها، وتهجير وهجرة ملايين السوريين من أصحاب الكفاءات العلمية والأكاديمية، ثم جائحة كورونا، أدت إلى تعمّق الأزمات وتضرّر كبير في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع السوري. وانعكس ذلك على ارتفاع إحباط الناس وانغلاق فرص الحياة الكريمة أمامهم والهروب إلى الخيارات الأقصوية العدمية. ومنها انتشار وازدياد حالات الانتحار. وقال مدير عام الهيئة العامة للطب الشرعي في سورية (زاهر حجو) الشهر الفائت لإذاعة محلية: إنه تم تسجيل 87 حالة انتحار منذ مطلع العام 2020 وحتى حزيران، بينما شهد عام 2019 كاملاً 124 حالة. وأن مدينة حلب سجلت النسبة الأعلى من حالات الانتحار في البلاد. وقال الدكتور بسام الحايك (المدير العام للهيئة العامة في مشفى ابن خلدون للأمراض النفسية والعقلية في مدينة حلب) لصحيفة (الوطن) المحلية إنه يتم إنقاذ 99 حالة انتحار من أصل 100 حالة في هذه المدينة.

ورغم أن حالات الانتحار كانت قليلة الانتشار، وصنفت سورية من أقل الدول تسجيلاً لهذه الظاهرة بحسب إحصائيات دولية، إلا أن أرقام هذه الظاهرة سجلت ارتفاعاً كبيراً خلال العامين الماضيين. وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية سجل العالم العام الماضي 800 ألف حالة انتحار حول العالم، مقابل أضعاف هذا الرقم من المحاولات غير الناجحة. وقد تصدرت ليتوانيا وروسيا قائمة أكثر الدول انتحاراً 2019. ويلعب الوضع الاجتماعي والاقتصادي دوراً اساسياً في السلوك الانتحاري، مع نسب متفاوتة في معدل الانتحار بين الإناث والذكور، وهي عند هذا الأخير أكبر بثلاثة اضعاف، فيما يعود صغر حجم الظاهرة عموماً في الدول العربية إلى المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية والثقافية الرافضة لهذه الظاهرة. ويعد الانتحار عالمياً ثاني الأسباب الرئيسة للوفاة في أوساط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، بعد وفيات حوادث الطرق.

تعتبر الضغوط الاقتصادية والأسباب العاطفية، أبرز أسباب حالات الانتحار في سورية، وهي الأسباب المعروفة لدى المختصين في انتشار هذه الظاهرة. ويعزى ارتفاع نسبة حالات الانتحار إلى العجز العام الذي يعاني منه المجتمع السوري في الآونة الأخيرة. ويقول اختصاصيون محليون في هذا المجال، أن الميل إلى الانتحار يتعزز مع انهيار قدرة الفرد على التعامل مع الوضع الاقتصادي المتردي للغاية الذي تمر به البلاد ما يولد لديه عدم استقرار نفسي. وبحسب الأطباء النفسيين أن فعل الانتحار هو تتويج لمرحلة طويلة من المعاناة والفشل في مواجهة ضغوط الحياة التي تؤدي في نهاية الأمر إلى حالات اكتئاب شديدة وانعزال اجتماعي، ثم إلى الإحباط وفقدان القيمة بالنفس وفقدان القدرة على الاستمرار.

من الجدير ذكره أن نسبة حالات الانتحار في سورية المسجلة هي أقل من تلك الحقيقية، ذلك أن عدداً من حالات الانتحار تُسجل وفيّات، وذلك بسبب سطوة التقاليد والأعراف المُستهجِنة لظاهرة الانتحار. ويُسجَّل على المؤسسات الطبية والأكاديمية السورية إهمالها الشديد في البحث ومعالجة مسببات الانتحار، ووسائل نشر التوعية الصحية والنفسية الملازمة لها.

العدد 932 - 21/10/2020