ترامب والحروب التي لا تنتهي!؟

د. صياح عزام:

بعدما ترشح ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، منذ أربع سنوات، خاض حملته الانتخابية تحت شعار (لِنُنهِ الحروب الدائمة الأمريكية!)، ولكن يتضح الآن أن هذا الشعار كان شعاراً أجوف. في بداية حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 أطلق المرشح ترامب كثيراً من الوعود أسوة بجميع الذين يترشحون للرئاسة الأمريكية، وقدم نفسه على أنه شخصية غير سياسية ووعد بتخفيض الضرائب، وتوفير الكثير من الوظائف، وتحقيق ازدهار اقتصادي، وإصلاح نظام الهجرة المتصدع.

وكان أهم التزام تعهد به خلال حملته الانتخابية إخراج أمريكا من سلسلة حروب لا تنتهي طغت على سياستها الخارجية لنحو 20 عاماً.

وبأسلوبه الفظ الذي اشتهر به طيلة أربعة عقود من انشغاله بقطاع العقارات في نيويورك، ندّد ترامب بحرب أمريكا في العراق باعتبارها خطأ جسيماً، كما أدان (حماقة قادة أمريكا لاستمرارهم في هدر عشرات مليارات الدولارات في أفغانستان) وكان يقول منذ عام 2012 آن الأوان لإخراج أمريكا من هذا المستنقع. ولكن بعد أن تولى السلطة أواصل التحدث باللهجة ذاتها: هدر مفجع للأرواح والموارد، سورية (أرض الرمال والموت)، وأن حملات المسؤولية للأمريكيين لإعادة بناء الشرق الأوسط (أضحوكة يائسة).

وبالنسبة لأغلبية الأمريكيين، وبضمنهم المحاربون القدماء ذاتهم الذين أمرتهم حكوماتهم بشنّ هذه الحروب العسكرية، كان خطاب الرئيس بمثابة نسمة هواء عليل هبّت عليهم.

كما ظهر في استطلاع مركز (بيو) للأبحاث في واشنطن نشر في تموز الماضي فإن 44% من قدماء المحاربين و62% من الرأي العام الأمريكي يعتقدون أن الحرب على العراق لم يكن من الجدوى خوضها، كما أظهرت استطلاعات أخرى أن معظم الأمريكيين يتبنون الموقف نفسه إزاء حرب أفغانستان، أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، والتي راح ضحيتها عشرات آلاف القتلى والمصابين الأمريكيين، إضافة إلى تريليونات الدولارات من أموال دافعي الضرائب، وأن الشعب الأمريكي سئم رؤية أبنائه وبناته وإخوته وأخواته يرسلون إلى خوض حروب لا تنتهي من أجل تحقيق (أهداف عظيمة) ما كان يمكن أن تتحقق.

غير أن خطاب ترامب لم يكن مطابقاً للواقع، فبينما كان يواصل التصرفات لإخراج أمريكا من مستنقعات حروبها، استمرت هذه الحروب بلا هوادة كما لو أنها بقيادة نظام طيار آلي.

وما يؤسف له أيضاً هو أن ترامب يبدو كأنه أصبح جزءاً من مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية التي طالما عبّر عن ازدرائه لها.

وكما كتب (أندرو ناسيفتش) المؤرخ والبروفيسور الأمريكي في معهد كوينسي للدراسات، في مقال نشرته (لوس أنجلس تايمز) في 31 تشرين الأول عام 2019، فإن نفور ترامب من وضع السياسة الخارجية الأمريكية لا يعدو كونه مجرد إثارة ضجيج، وحتى قراراته بسحب بعض القوات الأمريكية لم تكن في واقع الأمر أكثر من (إعادة انتشار) وسورية أكبر مثال على ذلك. ففي كانون الأول 2019 أعلن ترامب على الملأ أن القوات الأمريكية بصدد الانسحاب من هذا البلد، بعد 4 سنوات من الحرب على تنظيم داعش، ولكن لا تزال قوات أمريكية موجودة في سورية حتى الآن، وبموازاة ذلك تستمر حرب أفغانستان على الرغم من اشمئزاز ترامب المفترض والمزعوم إزاءها، ولايزال 12 ألف عسكري أمريكي يقاتلون في أفغانستان بانتظار تنفيذ الاتفاق الأخير مع طالبان لتخفيض عدد هذه القوات.

ومن الواضح أن كل ذلك يبيّن تماماً، أن تعهّد ترامب، بإنهاء حروب أميركا التي لا تنتهي، لم يكن أكثر من مجرد كلام للاستهلاك الانتخابي، وهذا أمر مُخجل بنظر غالبية الشعب الأمريكي.

العدد 912 - 20/5/2020