ونحن نكمل العام التاسع للعدوان

بولس سركو:

-2-

في مقالتي السابقة (ونحن نكمل العام التاسع للعدوان) ركّزتُ على العامل الخارجي، بصفته حقيقة لا مفرّ من الإقرار بها، وأسلوب استهداف سورية، وأسماء العملاء المحليين المنفّذين لخطط جين شارب وممارساتهم، ولكن بقي السؤال حول العامل الداخلي: (لماذا نجح هؤلاء المتآمرون وعملاؤهم في استقطاب أعداد كبيرة من السوريين المستعدّين للتخلي عن انتمائهم الوطني، وتجنيد أنفسهم لصالح مشروع خارجي يهدف لتدمير بلدهم على هذا النحو الكارثي؟) فأسلوب الثورات الملونة نفسه الذي طُبِّق على دول الكتلة الشرقية السابقة، وهو استغلال الأزمات الداخلية لتقويض الدولة، وأن تحلّ محلَّ إدارتها إدارةٌ تابعة تخدم مصالح واشنطن، طُبِّق على الدول التي اكتسحها ما سُمِّي (الربيع العربي)، ومنها بالطبع سورية التي باتت هدفاً على قائمة واشنطن للدول المراد تطويعها بشتى الوسائل، بدايةً عن طريق فرض الشروط التي تمسّ السيادة، سواء بالطلب المباشر، أو مرفقة بالاتفاقيات الاقتصادية وغيرها كما حصل مثلاً في زيارة (كولن باول) لدمشق، وكما أرفق في اتفاق الشراكة السورية الأوربية.

كانت تلك البداية مؤشراً خطيراً على جدّيّة الاستهداف، ومن الأخطاء السورية المبكّرة أننا  لم نتعامل معه بالجدية نفسها، ففي ظل المتغيرات الدولية التي تطول بنية الدول وتركيبة مجتمعاتها وذهنية أفرادها لم نشهد وضع أيّة استراتيجية محلية طارئة ممانعة تحدّ من تأثير هذه المتغيرات على الوضع السوري الداخلي في القطاعات الاجتماعية والسياسية، بينما اتخذت تدابير اقتصادية كان يظن البعض أنها ستجعل سورية في مأمن من العدوان، ولكنها في الحقيقة سهّلت نجاح الخارج في خرق الداخل، بسبب النسبة المرتفعة من ضحايا التحول من اقتصاد ذات طابع اشتراكي إلى اقتصاد السوق الحر، هؤلاء الضحايا الذين أصبحوا عرضة للاستثمار (الثوري) الأمريكي الصهيوني، لأن أحداً لم يهتم بتوعيتهم سياسياً وتأمين متطلباتهم واحتياجاتهم.

من عام 2006 إلى 2011 طُبِّقت جملة من التدابير الاقتصادية التي تنسجم تماماً مع ما سُمِّي بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة من قبل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، أهمّها فتح الاستيراد لكلّ التجار ولمختلف أنواع البضائع، مما ضرب كلّ البنية الاقتصادية التنموية المحلية، وأخرجها من السوق نهائياً، لعدم قدرتها على المنافسة. وترافق ذلك مع رفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية، مما أدّى إلى ازدياد متتالٍ في أسعار المواد، مع بقاء الرواتب والأجور في حدِّها الأدنى، ومع رفع سعر الكهرباء والماء، ومع إعطاء الأولوية للقطاع الخاص، وكلّ ذلك حرم الفئات الفقيرة الآخذة بالتوسع من المكتسبات التي حصلت عليها طوال العقود الماضية، ورفع نسبة البطالة إلى حدود غير مسبوقة، وزاد التضخم كما زاد عدد ذوي الثراء الفاحش، فاتسعت الهوة الفاصلة بين المواطنين والدولة دون اتخاذ أيّة مبادرات اجتماعية وسياسية للحد من النشاط الديني المتعاظم، بينما كانت الأحزاب العلمانية ملتزمة بالبند التاسع من ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية، وبتعهّدها بعدم النشاط في قطاع الطلاب منذ إنشاء الجبهة حتى عام 2003، فتركت أجيال الشباب لأنياب الموجة الرجعية التي كانت تجتاح العالم منذ عقود بشكل ممنهج ميّال إلى التطرف.

غياب التعددية في إدارة البلاد، وعدم تطوير الحياة السياسية، واستمرار حالة الطوارئ الضاغطة منذ عام 1962، وانتشار الفساد على نطاق واسع في مختلف إدارات الدولة ومؤسساتها جميعها، كلّها عوامل تراكمت لتشكّل الأزمة الداخلية المتفاقمة التي نفذ من خلالها المشروع الخارجي، بشعارات دعائية مغرية كالحرية والكرامة والحقوق الفردية، لكسب الشعبية وتغطية الهدف الحقيقي الاستعماري الخبيث لهذا المشروع.

كان جيلٌ كامل من الشباب الضائع المشتّت فكرياً، الذي لا حاضنة سياسية له، يتلقّى معلوماته من وسائل الاتصال المعاصرة المحرّضة، وهو غير قادر على الربط بين الذاتي والموضوعي، وغير مشبع بالقيم الوطنية والإنسانية والعلمانية، ولا يمتلك إمكانية التحليل إلا ضمن القناعات التي رسّختها في وعيه تلك الوسائل، يشكل الفقراء والعاطلون عن العمل نسبته العظمى. وأما اليائسون من إمكانية التغيير، فتهيّأت نفسيّاتهم للتمرّد بعد سقوط زين العابدين بن علي وحسني مبارك. كانت رؤية هؤلاء الشباب قد وُجِّهت بالكامل نحو العامل الداخلي المتأزِّم، بصرف النظر عمّن يعمل في الخارج على استغلال ذلك التأزّم لمصالحه، وقد ترسّخت هذه الرؤية أكثر فأكثر بفعل نشاط الشخصيات والقوى السياسية المعارضة في الداخل والخارج، التي روّضها ووظّفها المشروع الخارجي للتحكّم بحركة الجماهير في الداخل.

لا شك في أنّ فئةً من المثقفين والفنانين الذين تعاطفوا مع حركة الشارع ليست لها ارتباطات خارجية، ولكن منسوب وعيها السياسي منعها من رؤية المشهد من جوانبه المتعددة، ومن التكهن بمصير الصراع ومستقبله، وإلى أيّة هاوية يمكن أن يقود البلاد!

فالغالبية من هؤلاء لم يسمعوا بـ(جين شارب) أو (بوبوفيتش) ولم يعودوا مستعدّين للسماع، لأنهم متوهمون بامتلاكهم الحقيقة كاملة، وبأن أيّ حديث عن مؤامرة أو عامل خارجي هو ترويج دعائي تبثّه أجهزة النظام الإعلامية، كانوا جميعاً مصرّين أيضاً على الطابع العلماني والوطني لحركة الشارع، وكانوا يبرّرون انطلاقها من المساجد بحجج مكرّرة لا قيمة لها؛ فعندما فشلت هذه الحركة في تحقيق الأهداف المرسومة خارجياً، راحوا يردّدون جميعاً أيضاً ما كان مدرّب الثورات الملونة (بوبوفيتش) قد صرّح به للإعلام، بأن الإسلاميين قد سرقوا الثورة رغم تفاهة وسطحية هذه الفكرة، لأن الإسلاميين كانوا من الألف إلى الياء الجسم الأساسي للمؤامرة، يدور في فلكهم بعض العلمانيين قصيري النظر.

الحصار الخارجي المفروض اليوم على بلدنا  يُنهك حياة المواطن ومعيشته، الغلاء الفاحش، البرد القارس، الجوع، والحرمان، والتشرّد، والدعارة، وفقدان الأمل، وقوات الاحتلال الأمريكي والتركي تسطو على ثروات البلاد، وجيشنا يقدم الشهداء ويخوض أشرف معارك التحرير، عُدِّلت المادة الثامنة من الدستور، وكثير من القوانين نظّمت عمل الأحزاب والإعلام، وتحطّم جدار الخوف من النقد لمظاهر الفساد، ولكننا مازلنا نفتقر لرفد انتصارات جيشنا العسكرية بانتصارات في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، فجزئية واحدة فقط من نتائج العدوان على البلد تكفي لمراجعة الذات والاستفادة من درس السنوات التسع، والوقوف على الأسباب الداخلية التي وفّرت للمتآمرين جيشاً من المهمشين، لم يعد مقبولاً استمرار نهج اقتصاد السوق الحر الذي دمّر البلد، وما زال يشكل الخطر الدائم على الأمن الاجتماعي وعلى استقلال سورية وسيادتها، ولم يعد مقبولاً إهمال وضع استراتيجية ممانعة ذات حاضنة شعبية واسعة، تحصّن المواطن من كل آليات الاختراق وتقنياته.

إن الغالبية العظمى من أبناء شعبنا الذين فضّلوا البقاء في البلد، متحمّلين ضغط الأزمات المعيشية الخانقة وقساوتها، مدفوعين بشعور عارم من محبّة الوطن، هذه الغالبية تستحقّ مبادلتها الوفاء، تستحقّ مؤسسات رعاية اجتماعية، واقتصاد تنموي تعددي تقوده الدولة، وثقافة علمانية تقف عائقاً أمام تفشّي مظاهر التطرف الديني، كما تستحق شفافية مطلقة في العلاقة بين المواطن والمسؤول، ودوراً أكثر فاعلية لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية.

العدد 912 - 20/5/2020