وصيّـة

غزل حسين المصطفى:

رغم الضجيج المعروف لحافلات النقل الداخلي، بمجرّد أن أدرك عقلي قضية تلك الطفلة أو الشّابة الصغيرة التي جلست قُبالتي تماماً، استحالت الضوضاء غباراً عابراً لا يؤثّر بي، كان كل اهتمامي مُنصبّاً في القراءة المُعتادة التي أمارسها على كل الوجوه التي أُصادفها، فأنا مُقتنعة تماماً أن كل البهرجة ومساحيق التجميل وحتى العطر الفاخر والملابس العصرية أو الرسمية أو ما يناقض هذه التفاصيل لنكون في الطرف الفقير من الصورة، غير قادرة على إخفاء بعض التفاصيل التي تفضح هويتنا الحقيقية، قد يكون ذلك الاتصال المفاجئ من مدير العمل كفيل بكشف أركان القضية.

لنترك النقاش بهذه الفكرة جانباً وأعود بكم إلى تلك الجميلة، كان صعودها كما كل الركّاب، وإلى أقرب مقعد توجهت وبمجرّد جلوسها كانت خيوط بنطالها (الجينز الأزرق) قادرة على البوح بوجود سرّ، ولكن ما هو ذلك السرّ؟

قبل أن أبوح به لكم كنتُ فخورة بها جداً، وبيني وبين نفسي اعتذرت منها عن كل شيء، وطلبت الإذن بأن أقصّ حكايتها التي قرأتها من تلقاء نفسي لتكون مثالاً للكثير ممّن دفنوا أنفسهم تحت تراب الحياة وتحت مجموعة من الذرائع.

استطاع ذلك القماش أن يرسم من تحته الخط الواصل ما بين قدمها البشرية، والجزء الثاني من القدم الذي كان صناعياً.

نعم، كانت تتنقل بخفة فراشة وجمال ياسمينة على قدمها الصناعية، وبين يديها مجموعة كتب دلّتني عناوينها والمحطة التي نزلت فيها لاحقاً أنها تتعلّم اللغة الإنكليزية في أحد معاهد دمشق.

ولأن التوقيت حينذاك كان يُشير إلى الالتزام بالدوام الرسمي للمدارس كان الخيار الأقوى أن الظروف التي سرقت منها قدمها قد أبعدتها عن دورها في الرتل المدرسي، فبقي دفترها وحيداً هناك، لكنّ إرادتها في الحياة والمواصلة جعلت القدر يُرتّب لها موعداً دراسياً آخر في مكان جديد يبثُّ النشاط في تلافيفها الدماغية وهذا ما افترضته.

بعيداً عن فرضياتي تلك، وبعيداً عن تطفّلي، كنتُ في أعظم درجات الفخر بهذه الأنثى.

وكان السؤال:

_ماذا لو يُدرك هذا الجزء الذي بات يرافقها مؤخّراً ما محلّه من الإعراب؟!

_ماذا يمكن أن نقول لقطعة مُصنّعة أنقذت نفساً بشرية ونحن بوصفنا بشراً قد لا نكون قادرين على إطعام عصفور ننتشله من جوعٍ حلّ به!

تدركون معي فعلياً عظمة الموضوع!

ومن منظور آخر للسياق ذاته، كم تُغيّر عملية زراعة الكلية لمحتاجٍ عايش جهاز غسيل الكلى أكثر من شعاع الشمس!؟

كيف يمكن أن تُرسم ابتسامة نصر من بعد رحلة طويلةٍ من الألم حين يتبرّع أحدهم بجزء من كبده لمريض!؟

ويبقى السؤال الجوهري: هل يُمكننا أن نشارك في رسم تلك البدايات؟

نعم، من منطلقي الشخصي وبغضّ النظر عن الرؤية الدينية، وأتحدث من جانب إنساني بالمطلق لمس قلبي (التبرع بالأعضاء بعد الموت).

قد تكون الفكرة وكأنها شبح سوداوي مخيف للبعض، أو ربما لا يستوعبها الجميع بالدرجة ذاتها، ولكني وبعد تفكير وجدت الموضوع مهماً.

صحيح أن نهاياتنا بيد الله قد كُتب موعدها، لكن اختصار رحلة من عذاب وحرمان موضوع مُغاير.

قد يستطيع قلبي من بعدي السماح لشخصٍ ما بالرقص من جديد.

وربما تُتيح قرنيتي المجال لموهبة عظيمة أن تتفجّر على رقعة من ألوان.

فرضيات كثيرة تحملني إلى نهاية واحدة، هي وصيّة مع سبق الإصرار والتصميم، وصيّة مُسبقة الصنع لا تتحدّث عن ديون أو أسرار أخفيها، وصيّة فُتحت بيدي وتلوتها بصوتي على مسامع الجميع أعقبها سجال طويل، لكنّها وصيتي:

أنا غزل حسين المصطفى أُقرُّ، وأنا بكامل قواي العقلية، برغبتي الإنسانية ليتابع جسدي المسير من بعدي في أجسادٍ تتوق للنوم بسعادة، ألا هل بلّغت، اللهم فاشهد!

العدد 895 - 22/1/2020