جسـدٌ للاحتـكار بعـد الموت

وعد حسون نصر:

يرفض كثيرون في المجتمع العربي فكرة التبرّع بأعضائهم بعد الموت تحت مفاهيم عديدة، لعلّ أهمها الدين وملكية الجسد لله، وكذلك إكرام الميت دفنه، والله حرّم التمثيل بالجُثث. كذلك رفض فكرة التبرّع من أنثى لذكر والعكس صحيح. وهنا تفنى أعضاؤنا تحت التراب وتكون طعاماً للدود، في الوقت الذي يمكن أن نُحيي من خلالها شخصاً آخر، فما مازال مفهوم احتكار الجسد بعد الموت هو الأقوى من عدّة جوانب. كثيرون بحاجة إلى قرنية عين مثلاً، ويومياً نسمع عن حالات كثيرة لغسل الكلى، أيضاً أمراض القلب، فما الضرر أن نفصل الدين عن العمل الإنساني وأن نُحيي روحاً ونعيدها للحياة من خلال شخص آخر؟

ليس فقط التشريع والفقه يرفض مفهوم التبرّع هذا، فكثيراً ما يرفض الأهل هذه الفكرة وتلعب العاطفة دورها وخاصةً الوالدين اللذين يرفضان التمثيل بجسد الابن من وجهة نظرهما. هنا، على وزارة الصحة والعدل تنظيم تشريعات إنسانية ليقبل المجتمع العربي ورجال الدين فكرة التبرع بالأعضاء بعد الموت من خلال وضع ثوابت لعلّ أهمها أن يكون الجسد سليماً وصاحبه راشداً، ويكون تصريحه خطيّاً مع موافقة الأهل وتوقيعهم على هذا التصريح. كذلك التّعهد بدفن الجثة بعد أخذ الأعضاء التي أوصى صاحبها التبرع بها وفق التشريع وأحكام الطائفة، لأن إكرام الجثة دفنها واحترام مُعتقد صاحبها، وبالتالي يمكن الرد على فكرة أن الجسد ملك لله بأن الروح هي ملك ربّها في الحياة والموت، أمّا الجسد فملك لصاحبه فلا ضرر أن تُحيي جسداً بجسد بعد أن تفارقه الروح، وبالتالي يمكن للتبرّع أن يتمَّ ونحن على قيد الحياة كأن نتبرّع بإحدى كليتينا أو بجزء من الكبد، فالإنسان يستطيع أن يعيش بكلية واحدة، والكبد يعاود النمو ويسترد حجمه الطبيعي خلال أشهر قليلة، وتتمُّ عملية زراعة الأعضاء بعد فحوص طبية شاملة للتأكّد من تطابق فصيلة الدم ونوع الأنسجة بين المتبرع والمتلقي، وتُستَكمل العملية تحت مظلّة قوانين صارمة ورقابة طبية مُكثّفة، ولا يوجد سن محدد للتبرّع فهو مسموح لكل الأعمار، وبالتالي على الحكومات إقصاء العوائق والعقبات التي تعرقل تشريع القوانين التي تُقنن وتنظم عمليات التبرّع بالأعضاء، ودعم اللوائح وسن قوانين خاصة بجريمة التجارة بالأعضاء البشرية لضبط المنتفعين منها والذين يتحايلون على القانون بسبب قصور هذه اللوائح. وعلينا كأفراد أن نرتقي لمستوى المتبرعين وسموّهم الذين اختاروا لأجزاء من أجسادهم أن تتأنق في أجساد آخرين بدل أن يبتلعها التراب.

ويبقى لديَّ وجهة نظر شخصية بصفتي أماً لعلّ العاطفة تقودني لمنع تقطيع أوصال جسد طفلي، ولمجرّد تذكّر منظر تشريح جسده أُصاب بغصّة وحرقة، ولكن كم أكون سعيدة عندما أسمع نبضات قلبه تتراقص حباً في جسد شخص آخر أحبّ الحياة، وأنا ضدّ فكرة تبرع شخص بأعضائه لشخص آخر دون معرفته، فكم جميل أن نرى أعضاء من نحب تحيا أمامنا بعد أن دُفن باقي الجسد تحت التراب لعلّها تكون ولادة جديدة. وأخيراً لا ضرر أن نحيا ونُحيي غيرنا إن استطعنا فالحياة تستحق التضحية حتى لو بقطعة منا.

العدد 895 - 22/1/2020