جسدكَ ملكٌ لك… ففكِّرْ بغيرك

إيناس ونوس:

وأنتَ تُعدُّ فطورك…

فكّر بغيرك.. لا تنسَ قوت الحمام

وأنت تنام وتُحصي الكواكب..

فكّر بغيرك… من لم يجدوا حيّزاً للمنام..

وأنت تفكر بالآخرين البعيدين..

فكّر بنفسك… وقلْ.. ليتني شمعةٌ في الظلام

أستميحك عذراً محمود درويش إن أضفتُ إلى ما قلتَ:

وأنت تموتُ.. كأنك لم تكن..

فكّر بغيرك… ممّن يتوقون للحياة

ما الضَّرر إن فكَّر أحدنا بالآخرين حتى بعد مماته، وبتقديم العون لآخرٍ يترقَّب فرصةً ليحيا، سواء أكان مجانياً أم لا ؟ وأين تمكن المشكلة إن حاول الإنسان أن يكون معطاءً ومُخلِّداً ذكراه بعد رحيله عن هذا العالم، إن كان الحل يكمن في التبرُّع بكامل أعضائه أو جزءٍ منها بعد موته لآخرين يحتاجونها، أو لتطوير العلم في سبيل الوصول إلى علاجاتٍ نافعةٍ للعديد من الأمراض الخطيرة التي لم تنفع التجارب المخبرية في إيجادها؟

ترفض الثَّقافة الإسلامية والعربية هذا النَّمط من التَّفكير بذريعة احترام ما خلقه الله من منطلق إكرام الميت دفنه، بينما تجاوزت الثَّقافات الأخرى هذا المبدأ من منطلقاتٍ عدَّة قد يكون أحدها أن تقديم المساعدة للآخرين هو جزءٌ ممّا حضَّنا الله عليه، فضلاً عمّن فصل المعتقدات الدِّينية عن العلم والسَّعي لتطويره والإفادة منه، أضف إليهم من امتلك شعوراً إنسانياً تجاوز كل المعتقدات وانطلق من الإحساس بالآخر وبالرَّغبة في تقديم العون له حتى لو كان بتقديم بعض أو كل الجسد، رابطاً الأمور ببعضها، وغير مُفرِّقٍ بين تبرُّعٍ وهو على قيد الحياة أو عطاءٍ بعد الممات، اعتماداً على مبدأ الحرية الشَّخصية وصون حقوقها، فالجسد ملك صاحبه له الحق في التَّصرُّف به كيفما يشاء ما دام على قيد الحياة، فإن مات لم يعد يملك شيئاً، ولذلك فالكثير من الدُّول والأفراد تعاملوا مع الموضوع ببساطةٍ شديدة، وتمّ إنشاء ما يُسمّى ببنك الأعضاء البشرية الذي يذهب إليه الشَّخص بكامل الأهلية القانونية والعقلية ليتقدَّم بطلبٍ يذكر فيه أنه سيتبرَّع ببعض أو كل جسده بعد وفاته، مُحدّداً الأهداف والجهات التي سيتبرّع من أجلها.

ألا يُعتبر هذا الأمر أكثر إنسانيةً ورحمةً من سرقة الأعضاء البشرية وتجارتها، التي لا يدَّخر القائمون عليها أيةَ وسيلةٍ من أجل تحقيق أكبر قدر من الرِّبح المادي، بغضّ النَّظر عن أحقية من تتمُّ سرقة أرواحهم وأجسادهم في العيش بكرامة، واستغلال ظروفهم والضَّحك عليهم وإغداقهم بالوعود، في حين تكون الغاية واضحةً وضوح الشَّمس، كما حصل ولا يزال مع الكثيرين من ضحايا الحروب والكوارث البشرية الذين يسعون بكل ما يملكون من وسائل للهرب من الموت ليفاجؤوا به في أحلك الظُّروف بصورةٍ أشدُّ بشاعةً ممّا لو بقوا قابعين تحت نيران الدَّمار والهلاك؟؟

نعم، إن الجسد ملك صاحبه، ومن حقّه أن يتصرَّف به كيفما يشاء، سواء خلال حياته أم بعدها، وليس من حقِّ أحدٍ آخر أيّاً يكن أن يُحدِّد له ماذا عليه أن يفعل به. فإذا ما نظرنا للأمر انطلاقاً من رغبة الإنسان بالسعي للخلود الأبدي _ وهي فكرة أنانية بالمطلق _ سنجد أن عملية التَّبرُّع هذه ستكون أبسط وسيلةٍ لتحقيق تلك الغاية، فيكون كلا الطَّرفين رابحاً، بدلاً من أن يُترك الجسد ليتحلّل في التراب وكأنه لم يكن بعد مرور فترةٍ قصيرةٍ على الإطلاق، وما من مستفيد.

العدد 895 - 22/1/2020