أيكفي يوم للبيئة؟!

محمود هلال:

تتعرض البيئة للكثير من التحديات والكوارث الجسيمة التي أدت إلى تغيير في المناخ وتهديدات خطيرة استهدفت الحياة الآمنة للإنسان، وقد تلمست الكثير من دول العالم والمنظمات الدولية هذا الخطر، وعقدت المؤتمرات والاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية المناخ وغيرها، وقد خصصت سورية الأول من شهر تشرين الثاني يوماً وطنياً للبيئة، وجرت العادة أن تُقام في هذه المناسبة نشاطات بيئية مختلفة في كل المحافظات السورية: حملات نظافة للشوارع والأنهار، غرس أشجار، ندوات توعية وغيرها.

من المؤكد أن القيام بتلك النشاطات الاحتفالية مفيد وضروري في حياتنا المجتمعية، مهم وجميل أن نغرس شجرة، لكن الأهم هو أن نقوم بسقايتها وحمايتها حتى تكبر وتغدو وارفة الظلال، وهنا لابد من التركيز على التربية البيئية، ودور الأسرة في هذا المجال.

تهدف التربية البيئية كمفهوم إلى بناء المواطن الإيجابي الواعي بمشكلات البيئة. والتربية البيئية ليست فكراً نظرياً فقط، بل هي أيضاً ثقافة تربوية تطبيقية تتجلى بالفعل والممارسة والجهد المشترك لضمان بيئة صحية سليمة تستجيب للأزمات التي تواجه البشرية.

إن عملية التطبيع الاجتماعي للأبناء تتحقق من خلال كل مؤسسات المجتمع التي يتفاعلون معها، إلا أن أكثر هذه المؤسسات تأثيراً هي المؤسسة الأسرية.

وتأسيساً على ما سبق، تصبح الأسرة أهم مؤسسات المجتمع في تهيئة الأفراد للحفاظ على البيئة وحمايتها ودرء المخاطر عنها، ومنها يكتسب الأبناء المُثل العليا وقيم النظافة وترشيد الاستهلاك مما ينعكس إيجابياً على البيئة. إن ما يكتسبه الأبناء من سلوكيات إنما يأتي من خلال تعايشهم اليومي مع أسرهم حيث تتشكل اتجاهاتهم من خلال مشاهداتهم اليومية لما يمارسه الأبوان. وتكاد تكون التربية بالتقليد والمحاكاة من أهم وسائل التربية التي يمكن أن تلجأ إليها الأسرة لبناء اتجاهات إيجابية فعالة عند الأبناء نحو البيئة وتعزيز قيم المحافظة عليها.

لقد دمرت الحرب بيئتنا السورية، وجرت اعتداءات على البيئة بمختلف الأشكال، مساحات واسعة من الأراضي والغابات تحولت إلى يباس، وآلاف الأشجار الحراجية والمثمرة قُطعت وسُرقت وبيعت من قبل تجار الحروب للتدفئة، فضلاً عن تلويث الهواء وتسميم الأجواء في العمليات البدائية لتكرير النفط المسروق، وتلويث مياه الأنهار والينابيع ومصادر مياه الشرب، مما تسبب بانتشار الأمراض والأوبئة وغيرها، وقد عانى الناس كثيراً بسبب ذلك.

إضافة إلى ذلك حرائق الغابات التي تنشب على مساحات واسعة بين الحين والآخر في مختلف المحافظات السورية، والتي تجاوز عددها المئة حريق هذا العام، كان آخرها في محافظات طرطوس واللاذقية وحمص الشهر الفائت، لا شك كان لتلك الحرائق أثر سلبي كبير على البيئة السورية، وأرجعت أسبابها إلى عدم توفر الطرقات الزراعية وتنظيف الأعشاب اليابسة واشتداد الرياح وغيرها من الأفعال المقصودة وغير المقصودة. والسؤال: لماذا لا نحرص على تلافي الأسباب المذكورة التي تتكرر عند كل حريق؟

اليوم وقد حطت الحرب أوزارها لابد من إطلاق حملات نظافة شاملة من جديد، وإعادة بناء ما خربته الحرب، وفق سلم أولويات يكون بالدرجة الأولى فيها بناء الإنسان الذي يحافظ على البيئة ويعمل على إعادة التوازن البيئي والاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية، والقادر على استكشاف الموارد البديلة، ومواكبة التقنيات العلمية الجديدة التي تساعد في هذه المجالات وتخفف من الاستهلاك الجائر بحق الطبيعة ومواردها.

لا شك ستكون هناك خطط للمحافظة على البيئة من التلوث، البيئة بجميع عناصرها، وكل أساسيات حياة أي كائن حي يجب أن نحافظ عليها ونحميها من التلوث أيا كان. فكلنا بحاجة إلى تلك الخطط، ولكن لنخلق إنساناً صادقاً بحب وطنه ونقياً بأفكاره، الإنسان الذي يعمل على خلق البيئة السليمة والصحية للأجيال القادمة.

فهل نتذكر البيئة والمحافظة عليها بيوم واحد كل عام؟!

العدد 889 - 4/12/2019