شو عم يصير |  عذراً (عشتار)

مادلين جليس:

لا يبدو أننا شعرنا بمخلفات الأزمة النفسية والاجتماعية بالشكل المطلوب أو المتوقع إلا عند انتشار قصة (عشتار)، ولمن لا يعلم والجميع يعلم، فإننا نتحدث عن نحت طلاب كلية الفنون لتمثال الآلهة (عشتار) على جذع شجرة أمام جامعة دمشق، الحدث الذي أثار سخط كثيرين وتذمّرهم من وجود منحوتة كهذه أمام المارة وعلى مرأى أعين الأطفال، لكن الحجج والتبريرات التي ساقها هؤلاء لم تكن مقنعة ولم تكن على مستوى عالٍ من النضوج، فهل يا تُرى كل ما يراه الطفل في المسلسلات أقل من تلك الشجرة! أليست قصص العشق التركية المدبلجة أو مسلسلات الخيانة السورية، كفيلة بنشر ثقافة خاطئة!؟ أليست قادرة على تدمير جيل بأكمله خاصة أن التلفاز هو الوسيلة التي توجد في كل منزل؟! في حين أن الشجرة لن يراها إلا من مرّ بجانبها، هل يا تُرى مواقع التواصل الاجتماعي، والإنترنت، ومقاطع الفيديو المنتشرة على اليوتيوب  تراعي أعينكم وأعين أطفالكم؟ وهل تتوخّى الحشمة في ملابس الفنانات الصاعدات؟!

هل (مانيكانات) المحلات المنتشرة في الأسواق بملابس وغيرها أكثر حشمة من منحوتة عشتار؟ ألم ينتبه أحد لها، أم أن الأمر كله متعلّق بشجرة!

أخبار وقصص كثيرة نسمع بها عن قتل وسرقة واغتصاب، عن خيانة ونهب، ألم تُثِر هذه الأخبار حفيظة المحاربين لعشتار أو لرسمها! ألم تحركهم ليدافعوا عن المظلومين في هذه القصص! أن يقفوا في وجه المعتدين والظالمين، أم أن الأمر مجرد تسجيل اعتراض على حدث ما!؟ ليقول قائل آخر إن عشتار كانت آلهة الخصب كما نعلم، وأن الشعوب القديمة عبدتها، وفي ذلك نيلٌ من الدين، واقتراب من المحرّمات، ولذلك لا ينبغي أن تكون موجودة في مكان عام، والصحيح إزالة النحت من على الشجرة والأصح عدم وجوده نهائياً.

إذا كانت عشتار آلهة ووجودها حرام، فالشمس والقمر كذلك، ألم يُعبدا سابقاً من قبل أقوام كثيرة، هل نلغيهما من الوجود، أم نحتجّ على الله ونطلب منه إزالتهما لأنهما ينالان من الدين؟ عشتار من أدلّة انتماء السوريين إلى حضارات عريقة، ليست طقساً ولا رمزاً دينياً، بل رمز تاريخي عريق. (عشتار) آلهة الجمال والحب والحرب عند السوريين القدماء، وكانت تسمى ملكة الجنة عند السومريين وفي حضارات ما بين النهرين، كما كان مثلها (فينوس) آلهة الحب عند الرومان، و(أفروديت) عند اليونان، و(عشتاروت)عند الفينيقيين. وهناك جملة كتبها أحد الباحثين وأوردها هنا حرفياً لتكون ختاماً لكل ذلك السجال والأسئلة التي تبدأ ولا تنتهي (إذا كان جدّك مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً فجد جدك كان يعبد عشتار)!

العدد 889 - 4/12/2019