على عتبة المؤتمر

عبد الرزاق دحنون: 

لا يمكن أن يقوم حزب اشتراكي صلب إذا لم تكن ثمة نظرية ثورية توحد جميع الاشتراكيين، ويستمدون منها جميع معتقداتهم ويُطبقونها في أساليب نضالهم وطرائق نشاطهم، وإذا ما دافعنا عن هذه النظرية، التي نعتبرها صحيحة في أعمق أعماقنا، دون التهجمات الباطلة ودون محاولات تشويهها، فإن هذا لا يعني البتة أننا أعداء كل انتقاد، فنحن لا نعتبر أبداً نظريه ماركس شيئاً كاملاً لا يجوز المساس به، بل إننا مقتنعون، على العكس، بأنها لم تفعل غير أن وضعت حجر الزاوية لذلك العلم الذي يترتب على الاشتراكيين أن يدفعوه إلى الأبعد في جميع الاتجاهات، إذا شاؤوا ألّا يتأخروا عن موكب الحياة. ونحن نعتقد أنه من الضروري بخاصة أن يدرس الاشتراكيون الروس ويطوروا نظرية ماركس بصورة مستقلة، لأن هذه النظرية لا تُعطي سوى موضوعات توجيهية عامة تُطبّقُ في بريطانيا على غير ما تُطبقُ في فرنسا، وفي فرنسا على غير ما تُطبقُ في ألمانيا، وفي ألمانيا على غير ما تُطبقُ في روسيا، ولهذا سنخصص بكل طيبة خاطر مكاناً في جريدتنا للمقالات التي تتناول القضايا النظرية وندعو جميع الرفاق إلى مناقشة نقاط الخلاف مناقشة علنية.

 هذه المقابسة الطويلة من مقال برنامجنا الذي كتبه لينين، على الأرجح، عام 1899 عندما كان منفياً في سيبيريا، صدر للمرة الأولى عام 1925 في المجموعة اللينينية في العدد الثالث. وصدرت ترجمتها العربية في المجلد الثاني من الصفحة رقم 497 من مختارات لينين في عشرة مجلدات عن دار التقدم السوفييتية. وأود الإشارة إلى أن كلمة مقابسة هنا تحتاج إلى تفسير، الكلمة مشتقة من فعل قَبَس، ومنها قبس منه ناراً أي أعطاه منها، ومعنى المقابسة أن يشترك اثنان أو أكثر في محاورة علمية، فيقبس أحدهما العلم والمعرفة من الآخر ويعطيه ما عنده. وهذا المعنى في الكلمة العربية ما قصده لينين تماماً بشأن نظرية ماركس.

 كان لينين في التاسعة والعشرين من عمره حين كتب مقال برنامجنا، وحدد فيه خيارات حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا، وأعتقد أن من المناسب حين نقتبس عن لينين أن نُراعي تطور منهجه الفكري والسياسي، فما يقوله ابن الخامسة والعشرين غير ما يقوله ابن الخمسين، مع أن لينين طور منهجه الماركسي ولم يحد عنه أبداً، في هذه المقابسة يظهر جلياً أن الماركسية ليست عقيدة حزبية، بل هي نهج عمل وإن كنت تريد أن تجعل منها عقيدة حزبية فلا بدَّ من اختلاف تجلياتها بين مكان وآخر، كان لينين يبحث عن وحدة تجمع الحلقات الماركسية المنتشرة في روسيا وخارجها، وقد عمل بدأب على جمع هذه الحلقات في برنامج يُراعي بأقل شروط ممكنة نظرية ماركس، فكان حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا.

 كان لا بد من هذه المؤانسة مع لينين على عتبة المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد، إذ يُطلب إبداء الرأي في الوثائق التي عرضتها اللجنة المركزية على الجمهور من خلال العدد 876 من جريدة (النور) تاريخ 3/9/2019 والتي ستعرض على مؤتمر الحزب في دورته الجديدة، وأنا على قناعة كاملة أن الشيوعي الجيد هو الذي يمتلك قلباً شيوعياً حاراً لا فكراً شيوعياً فقط. ومن هُنا أجد أن الوثائق المعروضة للنقاش أو الجدل ترسل رسالة واضحة لكل سوري يعيش على أرض الوطن أو خارج حدود هذا الوطن، تقول: قد تختلف وجهة نظرك مع وجهة نظرنا المعروضة في الوثائق وهذا من حقك لا يُماري فيه أحد، ونحن على كل حال نطرح وجهة نظرنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهي موضوعات قابلة للجدل والنقاش.

 وفي الظروف الحالية التي يمر بها المواطن السوري داخل البلاد وخارجها لابد من أن نستوعب ما جرى ويجري وسوف يجري لنكون على علم، على الأقل، بمستقبلنا، لا بدَّ للحزب الشيوعي أن يكون واضحاً في طروحاته التي يعمل من خلالها على تحليل الواقع المعيش، أو بعبارة أخرى عندما يرسم الحزب الشيوعي سياساته في الظروف التي تمر بها سورية، فأعتقد أن تحليله للواقع، ولن أقول يجب، بل أستخدم كلمة: كي يكون صائباً في النتائج المستخلصة من هذا التحليل، وعليه أن يقرأ نتائج التحليل كما هي، ولا يرتعب أو يجزع من ذلك. فأنت كطبيب تشخص المرض بعد تحليل دقيق تصل من خلاله إلى يقين، ومن ثمَّ تصف الدواء أو العلاج المناسب، آمل من كل قلبي أن يكون الحزب الشيوعي السوري الموحد قد استطاع تحليل جذور ما نعيشه اليوم، وبالتالي وصف العلاج من خلال ما طرحه من وثائق للجدل والمناقشة على عتبة المؤتمر القادم.

العدد 922 - 12/08/2020