داء الكرسي

وقف على باب مكتبه الجديد محاطاً بجمهور الموظفين الذين تقاطروا من كل أنحاء المؤسسة لتهنئته ومباركة استلامه مهامه الجديدة مديراً لمؤسسته التي عمل فيها عقوداً من الزمن متنقلاً بين أقسامها ومكاتبها ومناصبها، يعرف أدقّ تفاصيل سير العمل فيها ويحيط بكامل مشاكلها من ألفها إلى يائها، إضافة إلى احتكاكه الشخصي بأغلب العاملين فيها، واليوم أضحى على محكّ رأس هرمها الوظيفي، وهو المشهود له دائماً بالنزاهة والحكمة والتواضع ونظافة اليد .

جال بنظره على وجوه المهنئين وبادرهم راسماً ابتسامة الود على وجهه: أشكر لكم رقي المشاعر ودفء الاستقبال، وأطالبكم بضرورة العمل الجاد والتفاني في سبيل الارتقاء بمؤسستنا على كل الصعد والمستويات، وكما عهدتموني دائماً باب مكتبي سيبقى مفتوحاً على مدار الساعة، ليس فقط لمناقشة مشاكلكم وحلها، بل لأناقش مشاكل الإدارة معكم في سبيل الوصول إلى حلول ترضي الجميع، المناصب برجالها لا بكراسيها ولست أنا ممن يغرهم الجلد الأسود والخشب الفاره. استل رئيس لجنة المشتريات بيمينه ورقة بيضاء من غمد جيب سترته ورفع سبابة يسراه منشداً بأعلى صوته : أنتم السيف في ساح الوغى إذا نشبت…

قاطعه المدير على عجل: والمزن أنتم إذا البيداء قحطاء! هذه الأبيات حفظتها عنك يا أستاذ عن ظهر قلب لأنك أنشدتها مراراً هنا في هذا المكان وبمناسبات مشابهة، أشكر لك رهافة الإحساس وجمال القصيد، لكن أوليتي ابتداءً من هذه اللحظة للعمل قبل القول، وللإنتاج قبل المكافأة، وللارتقاء بالعام قبل مناقشة الخاص. أشكر لكم حضوركم الكريم وأوجهكم بضرورة الإسراع إلى مواقعكم، فالوقت من ذهب ومصالح المواطنين لا تحتمل الإنتظار.

فتح باب مكتبه الجديد ووقف إلى جانب الكرسي الجلدي الأسود، لاحظ أن مقبض ذراع الكرسي مخلخلة وتم تثبيتها بقطعة لاصق بنية اللون، أدار الكرسي بيده وتحدث إليه: لم أسعَ في طلبك يوماً، أنت من طلبني، أعجب من أولئك الذين يدوسون زملاءهم ويتسلقون على أكتافهم، يتملقون ويتذللون فقط من أجل الحصول عليك، أنت بالنسبة لي لست سوى كرسي للجلوس لا أكثر ولا أقل، جلس عليه وطلب عبر الهاتف من مدير مكتبه إحضار البريد اليومي، أحس بتيار من القشعريرة يسري في جسده، جبينه توهج عرقاً بينما أضحت أذناه حمراوين كأنهما قطعتان من جحيم، نَبَض قلبه بشدة وشعر بالغثيان، ضاقت أنفاسه وأخذت يداه ترتجفان… ما الذي يحصل ؟ أحس باللاصق البني على ذراع الكرسي يتمدد ملتفاً على رقبته يكاد أن يخنقه، نهض واقفاً واتكأ بيديه على حافة المكتب مبسملاً متعوذاً يحاول طرد الوساوس والهلوسات التي اجتاحته. دخل مدير المكتب ووضع البريد مستفسراً:

-هل أنت على ما يرام أستاذ ؟

-نعم، نعم، كل شيء على ما يرام. اطلب لي فنجان قهوة!

-هل أجعله كأساً من شراب النعنع الأخضر؟

-قلت قهوة.. قهوة!

عاود الجلوس بعد خروج مدير مكتبه، وما إن لامس جسده جلد الكرسي حتى عاودته الأعراض والهلوسات نفسها، انتفض دافعاً الكرسي وقفز كالمجنون إلى غرفة مدير مكتبه:

-أنت مدير مكتبي وخازن أسراري ، شيء ما غير طبيعي يجري في مكتبي وأعتقد أنني بحاجة إلى المشورة.

-ما الذي يحدث أستاذ؟ تأكد أنك تتحدث إلى بئر سحيق.

أخبره بكل ما حصل دون أن ينتبه إلى فنجان القهوة أمامه، هز مدير المكتب رأسه وزمّ شفتيه:

-كأن الأمر لم يفاجئك! عدم ارتكاسك يوحي بأن الموضوع مألوف لديك.

-كما تعلم أستاذ، أنا أعمل في هذا المكتب منذ خمسة وعشرين عاماً تعاقب على رأسي فيها أكثر من ستة مديرين، بقيت مكاني رغم تعاقب المديرين لأنني وكما تعلم خازن فريد للأسرار، ما حصل معك حصل سابقاً بالتمام والكمال مع أحد مديري هذه المؤسسة، طبعاً لن أذكر أسماء.

-أخبرني بالتفصيل ما الذي يحدث وكيف عالج المدير الأسبق الأمر؟ ولماذا أتفرد وإياه بهذه اللعنة دون بقية المديرين !؟

-في الحقيقة أستاذ، أنت مصاب بداء الكرسي وهو داء يصاب به فقط المديرون الذين لا توافق طبيعتهم طبيعة الكرسي واستحقاقات الجلوس عليه، هذا الداء لا يستطيع الطب الحديث علاجه والمدير الأسبق عولج منه بجلسة واحدة فقط عند سيد الحضرة وقُيّض له فيها الشفاء التام.

-من سيد الحضرة هذا وما شأنه بالموضوع ؟

-إنه وليّ، سرّه باتع وله كرامات تستطيع شفاء الأمراض المستعصية التي تصيب أصحاب السلك الوظيفي حصراً، أرجو ألا تتهمني بأنني من المؤمنين بالخرافات والخزعبلات، مهمتي أن أجيب بالتفصيل عن سؤال حيرك ولك كامل الحرية في القبول أو الرفض دون توجيه الاتهامات. وإذا كان القبول ردك أستطيع تأمين لقاء سريع بسيد الحضرة واليوم إذا أحببت. .

-أي حديث خرافة هذا الذي تحدثه، لقد صدمتني بحديثك صدمة لا تقل عن لعنة الكرسي، انس كل شيء وعد إلى عملك!

رشف من فنجان القهوة الباردة أمامه ونهض عائداً إلى مكتبه، فتح الباب واستدار قبل ولوجه قائلاً: اتصل بسيد الحضرة هذا ورتب لي معه موعداً خاصاً الآن على الفور، أريد أن أواجه هذه السخافة التي يؤمن بها مدير مكتبي بنفسي. .

طرق باب الفناء الخشبي، فتح الباب غلام يرتدي جلباباً مزركشاً وقلنسوة

-لدي موعد خاص مع سيد الحضرة.

-هل أنت الأستاذ المدير؟

-نعم.

-تفضل بالدخول.

تبع الغلام إلى باب غرفة في صدر الفناء.

-اخلع نعليك وتفضل بالدخول إلى سيد الحضرة!

دخل إلى غرفة واسعة تعبق بضباب البخور ورائحته، ظليلة الإضاءة، فرشت أرضها وجدرانها بالسجاد الأخضر، وفي صدر مجلسها يتربع سيد الحضرة فوق مفرش مذهب، أبيض الشعر واللحية طويلهما، كثّ الحاجبين، أزرق العينين، ضخم الجثة، يرتدي عباءة بيضاء كأنها نسجت من ثلج. وقف المدير في وسط الغرفة ملقياً السلام، رفع السيد يمينه قائلاً: لا تقل شيئاً لقد أخبرني مدير مكتبك بكل التفاصيل، تعال فاجلس أمامي واحتسِ أولاً هذا الشراب، إنه شاي أخضر مزاجه الزعفران، شرب الشاي دون أن ينبس ببنت شفة، نهض سيد الحضرة آخذاً بيده إلى غرفة جانبية فارغة أشار إلى وسطها قائلاً: اجلس على كرسيّك! جحظت عينا المدير وتعتع قائلاً: أيّ كرسي هذا؟ وكيف لي أن أجلس في الفراغ؟

-ثبّت نظرك على عيني وأصغ جيداً لما أقول: هذا الكرسي ذاتك وذات الكرسي أنت، اصهر ذاتك في ذات الكرسي، أنت اصهر ذاتك في ذاته ووحد كينونتك في كينونته! هيا اجلس عليه واسبح في مداراته وكرر مناجاته بعبارة (أنت لي)!

كانت عينا السيد الحادتين الزرقاوين تلتهمان عقل المدير وتركيزه، أحس بسحابة من الهواء تصفر داخل رأسه وأخذ يردد دون تفكير: أنت لي.. أنت لي، أشاح بوجهه فرأى كرسيه الأسود ذو اللاصق البني يقبع وسط الغرفة، اتجه إليه وجلس عليه وبدأ بالدوران مغمضاً عينيه مردداً: أنت لي.. أنت لي. تسارع دوران الكرسي إلى درجة أحس فيه المدير أنه انفصل عن المكان واخترق جدار الزمن ولم يعد يسمع سوى صدى صوته داخل جمجمته (أنت لي.. أنت لي) تداخل معه صوت سيد الخضرة يقعقع: مدد.. مددد.. مداااااد!

تباطأ الكرسي وتوقف عن الدوران، فتح المدير عينيه فوجد الغلام آخذاً بيده إلى الخارج، استقل سيارته واتجه مسرعاً إلى المؤسسة لا يلوي على شيء.

فتح باب مكتبه فوجد الكرسي الأسود في مكانه، التفت إلى مدير مكتبه مستفسراً: هل قام أحد بنقل الكرسي من مكانه أثناء غيابي؟ إجابة مدير المكتب بابتسامة لا تخلو من الخبث: ألم أقل لك إن سرّه باتع! دخل المدير إلى المكتب دون أي تعليق مغلقاً الباب خلفه، وبعد عشر دقائق اتصل هاتفياً بمدير مكتبه قائلاً: وقت العمل مقدس وبناء عليه لا يسمح لأي موظف بمقابلتي إلا بعد تقديم طلب مقابلة يذكر فيها أسباب طلب المقابلة، وبالنسبة للمواطنين أصحاب الشكاوى حوّل شكاواهم إلى مكتب الخدمات للدراسة لأن مكتب المدير ليس سوقاً للخضار، أما بالنسبة إلى المناسبة الوطنية التي تصادف بعد ثلاثة أيام فانسخ قراراً بحتمية حضور جميع الموظفين في فناء المؤسسة من أجل إقامة احتفالية خطابية تليق بالمناسبة، ووجّه رئيس لجنة المشتريات بضرورة إلقاء أبيات شعرية جديدة خلال الخطابات، لأن التجديد سمة نهج عملنا الجديد.

أغلق مدير المكتب سماعة الهاتف مهدّئاً سريرته: الآن هو لك، كلانا يعلم أن الكرسي لا يصاب ولا يصيب بالأدواء، لكن الداء هو داء النفس الجالسة عليه، وأنت يا سيادة المدير الجديد بدل أن تروّض الكرسي قمت بترويض نفسك، بركاتك يا سر الخضرة!

أخرج من تحت مكتبه حافظة سوائل وصبّ كأساً من الشاي الأخضر مزاجه الزعفران.

العدد 873 - 07/08/2019