مهنة إنسانيّة أم تجارة!!!

ريم الحسين:

كثرت في الآونة الأخيرة الأخطاء الطبية المرتكبة في المشافي العامة خصوصاً والخاصة أيضاً دون استثناء، إذ تنتشر القصص تباعاً للأهالي المكلومين بفلذات أكبادهم مطالبين بالعدالة والقصاص ممن سمّوهم (جزارين) وليس أطباء، واللّافت أنّ أغلب العمليات هي عمليات جراحية بسيطة وليست معقدة، فهل السبب حقّاً الإهمال وعدم الخبرة أم الاختلاطات الجراحيّة التي قد ترافق أي عمل جراحيّ مهما كان بسيطاً وردة فعل الجسم السّلبية اتجاه هذه الجراحة وخصوصاً التخدير؟

وهل هذه البلاد الموبوءة بالحرب والخراب ينقصها هذا الشرّ الجاثم على عقول المواطنين وخوفهم من دخول غرفة العمليات؟ أم أن هذه الأخطاء موجودة بكثرة قبل الحرب ولكن لم تكن لدينا وسائل تواصل اجتماعي لنقل الخبر وسرعته وسهولة التأكّد من دقته؟

دخلت الشابة ريتا لإجراء عملية بسيطة في الأنف، ويبدو أن هناك خطأ ارتكب من قبل طبيبة التخدير أو على الأقل كما يقول ذووها وهي الآن بين الحياة والموت تنازع منذ شهور في حالة سبات تام دون أي تصريح من المشفى أو من الطبيبة نفسها. رغم أن هذه الحالة انتشرت كالنار في الهشيم فهل تستحقّ أن تقضي شبابها طريحة الفراش وربما تفقد حياتها وهل يستحقّ أهلها هذه المعاناة؟

ليست الوحيدة، ميرا طفلة بعمر الزهور تدخل لإجراء عملية استئصال للوزتين كحال أغلب الأطفال لتخرج لأهلها جثة هامدة! وكان الخطأ من طبيب التخدير بينما أفاد الطبيب الشرعي بعد التحقيق أنّه بسبب الاختلاطات وهو أمر وارد في العمليات الجراحية.

الشابة ديمة نزيف بعد الولادة توفيت نتيجة نقل دم لها غير زمرة دمها ولا تتناسب معها والطبيبة خديجة أيضاً والطفل ضياء والطفلة جنى… والقائمة تطول.

بينما تعطينا لمى وثائق تخص مرض والدتها والذي شخص على أنه كتلة دهنية صغيرة في الرأس غير مسرطنة ولا تحتاج لعمل جراحي لكن الطبيب (ف، أ) المعروف في مشفى الأسد الجامعي أصر على إجراء هذه الجراحة وأنها بحاجة ماسة لها دخلت السيدة غرفة العمليات وهي شابة نشيطة جميلة لبقة لتخرج منها في غيبوبة حيث توقف القلب ١٤ دقيقة وعاد للعمل والله وحده يعلم ماذا فعل في رأس هذه السيدة، فقد ورد أنه أعطب عصباً في رأسها وصنع تجويفاً كبيراً واضحاً وعندما أدرك الخطأ لاذ بعدها بالفرار إلى بلد آخر!!

لتتحول بعدها حياتها وحياة أسرتها إلى جحيم ومن سيدة بتلك المواصفات إلى شبح غير مدرك لتصرفاته وأفعاله تشعر بالألم لمجرد النظر إليها وكيف دمر هذا الخطأ حياة الاسرة برمتها!

أما الشابة نور التي عاشت سنة كاملة من حياتها متنقلة من مشفى إلى آخر نتيجة عمل جراحي أجراه لها الطبيب (ب، إ) الذي يفتقد إلى أدنى مقومات الطبيب ويجعل من هذه المهنة الإنسانية مهنة للتجارة وجلب الأموال بإجراء معظم عمليات التجميل التي تحتاج كل منها إلى اختصاصي فكيف يقوم بكل أنواع التجميل! حيث أصيبت الشابة بصدمة انتانية بعد عملية بسيطة وبدأ فشل عمل الكليتين بالظهور حتى الطبيب المسعف استغرب من طريقة خياطة الجرح وقال أنه من المستحيل أن تكون خياطة جراح أو  طبيب حتى تغزو جرثومة جسدها الشاب وتجعلها بين الحياة والموت لعدة أشهر لولا تدخل العناية الإلهية والطبيب (فراس. م) الخبير بالعلاجات الانتانية والذي استغرب بداية من هول الحالة وكم ستتطلب من الوقت والجهد والمال حتى يكون هناك بصيص أمل ولكن شاءت الأقدار أن تشفى مع تشوه كبير في جسدها بعد أن وضع ذويها أكثر من ١٣ مليون لإنقاذ روح الشابة المفعمة بالحيوية والإصرار بعد أن عانت آلاماً شديدة وعانى أهلها الأمرّين!

هذه أمثلة فقط والحالات كثيرة جداً تحتاج لفتح ملف كامل والغريب أن أغلب الأهالي المتضررين لم يقوموا برفع دعوى ومن قام بالادعاء لم يستفد فقط أضاع المال والوقت حيث أن نقابة الأطباء تدعم هؤلاء الأطباء بحسب الأهالي وكما أفاد المحامون بأنهم لن يحصلوا على شيء لا تعويض ولا سجن ولا إيقاف عن العمل أو سحب شهادات من المقصرين حيث أن ملابسات العمل الجراحي والاختلاطات التي ممكن أن تحدث قد تكون كفيلة للالتفاف على القانون.

عشرات من هذه الحالات في الأشهر الماضية دون فتح تحقيق ومعاقبة المقصرين إن وجدوا أو تعويض أهالي الضحايا ولذلك أصبح الناس يحسبون ألف حساب قبل أن يفكر الواحد منهم دخول مشفى لإجراء عمل جراحي كما صرحت السيدة ميسون على مايبدو هذه المشافي أيضاً وليس فقط الأطباء تستخدم معقمات وكحول منتهية الصلاحية فما اكثر حالات دخول جراثيم إلى أجساد المرضى أدت في الغالب إلى وفاتهم هذه ليست مشافي وإنما محلات جزارة!

في المقلب الآخر يؤكد الطب والقضاء الشرعي بأنهم متشدّدون في موضوع الأخطاء الطبية ويجب عدم الخلط بينها وبين الاختلاطات لكن المفارقة العجيبة أنّ معظم الحالات التي توفي أصحابها أو دخلوا في غيبوبة طويلة بحسب التحقيق كانت نتيجة اختلاطات فمن يضمن نزاهة التحقيق!

المشكلة أن هذه الحالات يصعب فيها الفصل في حين أن الأهالي يؤكدون وقوف هذه اللجان مع الأطباء وحتى لو كان هناك تجنٍّ فهذا أمر وارد لكن أن يأتي أطباء لمتابعة الحالات التي بقيت على قيد الحياة ويصرحون بحجم الخطأ المرتكب فهنا علامات استفهام كثيرة!

المواطنون يشكون الفساد في كل المجالات لكن أخطر أنواع الفساد ما يهدد حياتهم ألا يكفيهم التلاعب بلقمة العيش حتى يبدأ فساد المستشفيات والأطباء بالزحف أيضاً إلى حياتهم!

هل ستعود سورية مركزاً للعلم والطب في الشرق الأوسط بعد أن حاولت ثورة المرتزقة تدمير كل شيء حتى المشافي الرائدة المجانية في علاج الأمراض المستعصية على هذا الأمل وأن تخفّ (الاختلاطات) والأخطاء ، الأطباء المؤهلون والخبراء والريادات العلمية موجودة لكن يجب وضع قوانين صارمة للدخلاء على المهنة حتى ولو كان لديهم شهادة فهي ليست كل شيء الخبرة والعلم والمعرفة أهم بكثير إضافة لوجود اختبارات مشدّدة لمن يود دخول مجال الجراحة فحياة الناس ليست للتجربة وألم الفقدان ليس للتسلية، ومازال الأمل بالوطن وأبنائه كبير لتجاوز المحن المتعاقبة.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

 

العدد 873 - 07/08/2019