ذكريات عن أيتماتوف المعلم الرائع في ذكرى ميلاده الـ95

بقلم: د. أيمن أبو الشعر:

  • أعدم (بيريا) والدَه، ومع ذلك ظلّ وفياً للنضال الشيوعي لتغيير الواقع نحو عالم أفضل في جميع مؤلفاته.
  • لم يوفر الانتقادات الجدية للممارسات الخاطئة، ورسم بعض نهايات قصصه خصيصا لكي يرفض القارئ هذه النهاية.

سأتحدث باختصار عن بعض اللقطات المميزة التي تركت أثراً جميلاً في نفسي إبان لقاءاتي وحواراتي مع الكاتب العالمي أيتماتوف، وقد استفدت منها كثيراً، فقد كان معلّماً، ليس لي وحدي فقط، بل ولجيلي عموماً.

أسعدتني الظروف بأن ألتقي أيتماتوف عدة مرات، فتكرّست صورة مشرقة له ليس فقط ككاتب عظيم بل كإنسان مبدئي متواضع رهيف الإحساس، سأتناولها بالتسلسل. وقد أبهجني أن الدكتور الناقد عاطف البطرس كان معي في أحد هذه اللقاءات، وترك أثراً جميلاً لدى أيتماتوف حين وجّه له بعض الأسئلة النوعية حول واقع الأدب والأدباء في الاتحاد السوفييتي، وأجاب عنها أيتماتوف برحابة صدر. ومن خلال حوار مطول معه أستطيع أن أفرز ما يؤكد ما ذهبت إليه حول تواضع هذا الكاتب العملاق ورهافة حسّه.

1-     عندما التقيت بأيتماتوف، كنت شاعراً شاباً لم أكرّس اسمي بعد كما يجب، ولم أنشر سوى القليل في الصحف والمجلات الروسية، وكان الصديق عاطف البطرس لا يزال في المراحل الأولى من دراسته العليا، بمعنى أننا كنا مغمورين عملياً وخاصة بالنسبة للاتحاد السوفييتي، ومع ذلك استقبلنا بترحاب كبير حتى إن الجلسة ترافقت ببعض الشراب والمكسرات، وكأننا أصدقاء قدامى، وكان هذا اللقاء هو الثالث بالنسبة لي على ما أذكر، واللافت للنظر أنه طلب بنفسه أن نتوجه إليه بصيغة المفرد: (أنت) بدل (أنتم) ، وهذا أمر له دلالة كبيرة بالنسبة للعلاقات الاجتماعية في روسيا،  وبالتالي هذا موقف يسجل له.

2-     أثناء الحوار تطرقنا للحديث عن قصته الرائعة (جميلة)، فقال أيتماتوف إن الفضل الكبير في انتشارها العالمي يعود للشاعر الفرنسي الشيوعي أراغون، مضيفاً عبارة (نعم، أراغون فتح الطريق أمامي)، بمعنى أنه يحفظ الود ويقدّر عالياً المواقف الجميلة رغم أن اسم أيتماتوف كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس، لكنه لم يغفل هذا الامتنان.

3-     في غضون ذلك ذكر لنا أيتماتوف في معرض إجابته عن أحد الأسئلة أن متابعاً من الجمهور سأله في أحد اللقاءات (كيف تنظر إلى جميلة الآن – وكان قد مر عشرات السنين على كتابته تلك القصة، فأجابه أيتماتوف إن بطلته جميلة أصبحت جدة، يقصد أنه بات يكتب عن أمور أخرى.. فاعترضت وقلت له حرفياً (وهذا الكلام مسجل ومنشور في صحافتنا في حينها): رغم طرافة المفارقة فإنني لا أوافقك، فجميلة ستبقى شابة بمعطياتها المرسومة في القصة، وهي تتكرر بأشكال مختلفة وجوهر واحد، ولو افترضنا أنها ستشيخ (ولو بالمعنى المجازي) لكان علينا أن نسلم بأنها ستموت أيضا.. جميلة بالنسبة لقارئنا مثلاً تمثل طموحاً يحارب قامعيه، وينتصر! ومن إجابته حرفياً: كما أود أن أعقب أن (جميلة) في القصة ستبقى شابة كما ذكرت أنت كنموذج، وأنا شخصياً بدأت أكتهل عمراً، ما قصدته عدم الاحتواء في موضوع محدد، ومحاولة معالجة جوانب الحياة الأخرى).

4-     حين أشرت إلى وجود تشابه نسبي بين قصة أيتماتوف وجهاً لوجه وقصة راسبوتين (عش وتذكر) لم يستنفر وينزعج، بل قال بهدوء معتمداً على الواقع التاريخي أنه كتبها ونشرها قبل أن يكتب راسبوتين قصته بحوالي عشرين عاماً، وأضاف على الفور لكني أستطيع القول إن قصة راسبوتين مصاغة بمهارة أكبر ذاك أنه كتبها في مرحلة نضجه الفني في حين أن قصتي من أعمالي المبكرة.. هل تتخيلون كاتباً عالمياً عملاق يقول عن كاتب آخر إن قصته مصوغة بمهارة أفضل!!! وهذا يؤكد ما ذهبت إليه من أن التواضع سمة نوعية في أيتماتوف، ولعلها سمة حقيقية في معظم الكتاب الكبار.

ثم إنني خالفته أحيانا (قاصداً إثارته) كما في إشارتي أن أبطال قصته الكلب الأبلق لم يكونوا ليتصرفوا بالشكل الذي رسمه هو أن يفدي كل واحد الآخر، فيختارون الموت في البحر كي يبقى قليل من الماء في نهاية المطاف للطفل، لو لم يكونوا أبناء منطقة نائية العلاقات الأسروية مقدسة فيها، وافق معي تماماً وقال بالحرف: (سؤال لافت للنظر بالفعل، أريد أن أعترف أنني لم أفكر بذلك، الآن يبدو لي أن مثل هذه الظروف لو مرت بأبطال كما تقترح مدينيين تماماً (من أبناء المدينة)، أعتقد أنهم سيتخذون موقفا آخر.. بل ربما فكروا بالنقيض تماما، أي بدل أن يضحوا بأنفسهم لإنقاذ الآخرين ربما -بل هذا هو الأرجح- فكروا أن يضحوا بالآخرين لإنقاذ أنفسهم.

5- أسعدتني إجابته عن تساؤلي حول مدى تقارب أو تنافر قصته السفينة البيضاء مع مصطلح الواقعية الاشتراكية، فقد بدا لي أن هناك تماثلاً في الموقف بشأن فهم هذا المصطلح، فاللجوء إلى الحلم يبدو وكأنه هروب من الواقع نتيجة العجز في عن تغييره، كما تنتهي القصة بموت الطفل (الأمل)، وينتصر فيها الفاسدون عملياً (سارقو أخشاب الغابة)،  ويتهادن المقهورون مع هذا الواقع (الجد مأمون يتماشى مع الفاسدين بل ويشرب معهم)،  وكانت إجابته رائعة حقاً فقد قال: (مثل هذه التساؤلات موضع خلاف لن يحل ببساطة، طبعاً أنا أوافق معك أنه لا يجوز النظر إلى الواقعية الاشتراكية كأيقونة، أو كوصفة جامدة، وإن كان الأمر كذلك فلا مجال للتطور إذاً! وعندئذٍ علينا الإقرار بأنه قد قيل كل ما يمكن أن يقال، وليس أمامنا إلا التكرار فقط. الواقعية الاشتراكية في إطارها العام توجّهٌ لخدمة أفكارنا في بناء المجتمع الاشتراكي الجديد بالمعنى الواسع لهذه العبارة، أما موت الطفل واستخدام الحلم، فإنه متعلق بأسلوب الكاتب الفني، وأنا لا أرى في ذلك مجافاة للواقعية الاشتراكية.. الواقعية الاشتراكية لا تعلن أن كل نهايات الأعمال الفنية يجب أن تكون سعيدة، بل على العكس من ذلك نرى مثل هذه النهايات في كثير من الأفلام الأمريكية.

بقي أمران لا بد لي من الإشارة إليهما وهما أولاً أن جميع لقاءاتي بأيتماتوف كانت قبل أن يزور إسرائيل، وهو موقف انتُقد عليه كثيراً، وأعتقد أن غورباتشوف هو الذي شجعه على ذلك، وربما لمّح له بأن جائزة نوبل تمر عبر تلك الزيارة، ولكنها ليست ذات مفعول عكسي، ولا تلغي أعماله الرائعة التي كانت وستبقى نبراساً ومرشداً لخوض الصراع حتى النهاية كما في المعلم الأول وجميلة، والثاني أنه التزم بخط الحزب الشيوعي السوفييتي بقوة حتى جاء غورباتشوف، ومما يسجل له في هذا المجال أن والده أُعدم أيام جنون الشكوك لدى (بيريا) بتهمة معاداة السلطة السوفييتية، لكن ذلك لم يمنعه من متابعة الطريق بإخلاص، وحين سألته عن انعكاس إعدام والده عليه، أجابني بعبارة واحدة وهي: (ستعرف موقفي ذات يوم)، وبالفعل علمت بعد سنوات أنه بحث كثيراً عن رفات أبيه حتى وجدها في مدفن جماعي، فأخرجها ودفنها في قبر لائق.. فأدركت معنى عبارته: ستعرف موقفي ذات يوم.

تحية لذكرى هذا الكاتب العملاق الذي كانت ولادته في 12 كانون الأول عام 1928.

العدد 1096 - 21/2/2024